غير مصنف

ضربة موجعة بحجم وجع كورونا: أزمة “الذهب الازرق” على المستوى الدولي، المغرب نموذجا ومحله من كل هذا؟؟

الذهب الازرق

جاء النص القرأني “وجعلنا من الماء كل شيء حي”، كدلالة على أهمية هذا العنصر الحيوي، سواء بالنسبة للطبيعة و الكائنات الحية او بالنسبة للأنسان ومختلف الشعوب و القبائل التي تسكن الكوكب الأزرق، منذ قديم الزمان و الى ان تفنى الارض وشعوبها. غير ان التحديات المتعلقة بتوفير المياه الصالحة للشرب، لاكثر من 3 مليارات بشري على وجه البسيطة، اضحت كابوسا حقيقيا بالنسبة لحكومات و قادات العالم، الامر الذي ينذر بازمة مستقبلية قد تعاني منها البشرية بسبب نذرة او انعدام “الذهب الازرق”.

و من الملاحظ خلال السنوات الاخيرة، ان ازمة المياه بدات بالانتشار بوتيرة سريعة و مقلقة على حد سواء، حيث تذكر بعض المصادر الدولية، أن 1 من 9 من سكان الارض، اي حوالي 785 مليون شخصا، يفتقرون الى المياه الصالحة للشرب، المادة التي تساهم في التنمية الاجتماعية الدولية، كما ان “ازمة المياه” تفضح العديد من الأزمات المرتبطة بها، من قبيل انتشار الاوبئة و الامراض بسبب ضعف الولوج الى خدمات الصرف الصحي، لاسيما في الدول الفقيرة و دول العالم الثالث، فبحسب إحدى الاحصاءات الدولية، فان 1 من 3 من سكان الارض، اي قرابة 2 مليار نسمة لا يمكنها الولوج لخدمات الصرف الصحي، الامر الذي ينذر بازمة عالمية مستقبلية خانقة.

يذكر بان العديد من الجهات الدولية، على راسها المنتدى الاقتصادي العالمي، قد تحدثت عن كون ازمة المياه تعتبر الازمة الرابعة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لشعوب المعمورة، بيد ان ما يبغو عن 144 مليون شخص حول العالم، يستندون على الموارد المائية السطحية، وان 6 أضعاف سكان الولايات المتحدة، يعيشون دون ولوج مباشر لمياه الشرب، منهم الاطفال الصغار و النساء و العجائز.

و بالحديث عن الفئات المستضعفة، والتي تعاني الأمرين على المستوى الدولي بغية الولوج الى المياه الصالحة للشرب بشكل دوري و مباشر، يمكننا ان نذكر فئة النساء و الفتيات عموما، إذ ذكر موقع “water.org“، بأن متوسط الوقت المصروف في رحلات البحث عن المياه، يدنو من 266 مليون ساعة في السنة، منها 200 مليون ساعة من اجل جمع المياه، و مئات الملايين من ليترات المياه المهدورة، خاصة عند عملية نقل المياه، سواء على الأقدام و في احسن الاحوال على الدواب.

إن ازمة المياه، تلقي بثقلها على مشكلة “النظافة و المراحيض” بالنسبة للنساء والفتيات الفقيرات خاصة. حيث يقدر نفس الموقع، بان النساء تصرفن ما يفوق من 266 مليون ساعة إضافية سنويا، على النظافة و البحث عن دورات الصرف الصحي، ما يؤذي الى انتقال العدوى و الامراض داخل المجتمع، الناجمة عن عدم توفر المياه الصحية او استعمال المياه القذرة و الملوثة للتنظيف، كما ان الارقام المرتبطة بنظم الصرف الصحي، تتسم بالسوداوية و تدق ناقوس الخطر بيد ان 10 في المئة من سكان الارض يستخدمون المراحيض المفتوحة لقضاء حوائجهم.

يذكر نفس الموقع، أن عددا من الدول التي قام بدراسة معطياتها، و منها من يعاني من ويلات نظم الصرف الصحي المتدنية والولوج المحدود اليها. فعلى سبيل المثال، فان دولة “البنغلاديش” تمتلك نسبة ولوج تقرب من 53 في المئة لنظم الصرف الصحي الصحية، في حين ان دول في افريقيا منها “اوغاندا” و “غانا” و “إثيوبيا” و “كينيا”، تتربع على قائمة الدول المستفيدة من خدمات الصرف الصحي الجيدة، بنسب تبلغ على التوالي 75 و 67 و 66 و 59 في المئة، غير ان دول مثل “اندونيسيا” و “الفلبين” و “الهند” و “البرازيل” و “كمبوديا”، تقع في اسفل قائمة المستفيدين بنسب ولوج تبلغ على التوالي 20 و 19 و 16 و 12 و 11 في المئة.

إن ازمة “الذهب الازرق”، لا تتوقف عند حد نظم الصرف الصحي او شح المياه مستقبلا، بل تنتقل ايضا الى الجاتب الصحي لساكنة الكوكب الازرق، لاسيما الدول الفقيرة و النامية. يذكر موقع  “water.org “، بان 1 مليون شخص حول العالم يموتون سنويا بفعل “المياه و المرافق الصحية الملوثة”،  واثقال العدوى و الامراض المتصلة بالنظافة الشخصية، وان عامل الزمن يلعب دوره في هذه الازمة، حيث يموت طفل في العالم كل دقيقتين، اي ما يقرب من 3 الاف و 900 طفل بسبب المياه الملوثة أو الامراض كالإسهال، الذي يعتبر المسبب الثالث لوفايات الاطفال خصوصا حول العالم.

و على الصعيد العالمي ايضا، فان الحصول على المياه و خدمات الصرف الصحي الصحية على حد سواء، يجنب الاطفال اضاعة ما يقرب من 200 مليون ساعة من حياتهم سنويا في البحث عن المياه، ما يمكنهم من استغلالها بشكل جيد في تطوير قدراتهم الدراسية و المعرفية، الا ان الإمكانيات الاقتصادية لبعض المدارس، تدفع 1 من اصل 3 مدارس لإقفال ابوابها نهائيا. وعلى سبيل المثال، فان توفير 1 مليون مرحاض لفتيات المستوى الثاوي في الهند، سيمكن الدولة من رفع ناتجها المحلي الإجمالي ليبلغ 5 ملايير دولار، كما سيرتفع دخل الفتيات على المستوى العالمي، خلال سنوات الدراسة بما يتراوح ما بين 15 الى 25 في المئة.

يمكن للاقتصاد الدولي، ان يستفيد ايضا من النتائج المتحتمة عن توفير الولوج سواء لخدمات المياه الصالحة للشرب او الصرف الصحي، بالقدر الذي ستستفيد منه الدول المستفيدة منها كذلك، إذ يقدر موقع “water.org”، بان النفقات المهدورة على خدمات المياه و الصرف الصحي، تقترب من عتبة 250 مليار دولار على المستوى الدولي، وان الاقتصاد العالمي سيستفيد في حالة توفيرها من ما يربو من 18.5 مليار دولار من العائدات المالية، خاصة من تفادي الوفايات المرتبطة بهذه الخدمات الصحية، كما ان 1 دولار يصرف على هذه الخدمات سيعود ب4 دولار من توفير مصاريف الصحة العالمية، ما سينعكس بالايجاب على الانتاجية الداخلية و تراجع الوفايات.

و من الملاحظ، ان الارقام  والمعطيات الدولية، تشمل ايضا الجانب الزراعي و الفلاحي معا. فبالرغم من ارتفاع مشكلة الامن الغذائي خلال السنوات الثلاثين الماضية، غير ان عمليات سحب المياه الجوفية لغرض الفلاحة و الري، قد زادت بنسبة 66 في المئة وقد تصل الى 90 في المئة في المناطق القاحلة، منها 34 في المئة مخصصة للأسر المحلية و عيشها، في حين ان 4 في المئة يتبخر في الاحواض المفتوحة، ذلك على غرار ارتفاع استهلاك المياه على المستووين الشخصي و الاقتصادي.

و بما ان الموارد المائية اصبحت شحيحة، فان التصادمات على المستويين الدولي و المحلي، قد زادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاثين الاخيرة، كون ان قرابة 260 حوضا من المياه العذبة حول العالم، تتقاسمها دولتان او اكثر في نفس القارة او على الحدود المائية، وذلك في غياب المؤسسات القوية و الاتفاقيات التقنينية الدولية، كحال كل من “بحر ارال” الذي ادى النزاع عليه الى تراجع مساحته لنسبة 2 من 3، لتصبح بحسب اخر الارقام 36 ألف كلم مربع، مكسوة في الغالب بالملح، وعلى غراره  في الصراع كل من  “الاردن” و نهر “الدانوب”، و نهر “بارانا” ما بين “الارجنتين” و “البرازيل” و “الباراغواي”، الامر الذي يعجل بانتشار استخدام مفهوم “الإجهاد المائي”.

و ينجم الإجهاد المائي، بحسب الخبراء على عدم التوازن بين استعمال المياه و الموارد المائية، وهو مؤشر تابع ل”المجلس العالمي للمياه”. يقيس الإجهاد المائي على المستوى الدولي انطلاقا من 4 تصنيفات، تنتقل فيه الدول من صفة “عدم الإجهاد” الى صفة “الإجهاد المفرط”، كما يقيس أيضا نسبة سحب المياه الباطنية و الجوفية و استخدام الموارد المخزنة في كل الدول، وما يسببه من تدهور في المياه الجوفية و الموارد العذبة و تراجع في حجمها و جودة المياه المستخرجة، حيث تمتاز دول أقصى شمال خط الاستواء ك”روسيا” و “كندا”، زيادة على بعض دول “جنوب إفريقيا” و “أمريكا اللاثينية” و “أستراليا” بانخفاض الى انعدام مؤشر الاجهاد المائي، في حين ان المؤشر يبلغ اوجه في دول “شمال افريقيا” من بينها “المغرب”، و “الشرق الاوسط” و “اسيا الصغرى”.

و على الصعيد المحلي، فإن المغرب لا يبعد كثيرا عن “الخط الاحمر” او “الاجهاد المفرط” في مؤشر الاجهاد المائي العالمي. ففي سنة 2018، تبوء المغرب المرتبة 45 عالميا في قائمة الدول التي ستواجه ازمة مائية خانقة، بحسب احصائية المجلس العالمي للمياه، كما ذكرت ارقام “الفاو” ان حجم مخزون المياه المغربي، قد انخفض في سنة 2018 الى 80 في المئة ليستقر في 500 متر مكعب للفرد سنويا، مقارنة بما يقرب من 2500 متر مكعب للفرد في سنة 1960،  إذ يعود السبب في هذا التراجع، إلى ان 80 في المئة من النفايات البشرية، يتم تفريغها دون معالجة في مياه الوديان و البحر، ما اثر بالسلب على المخصصة للفرد على المستوى الدولي.

و قد حذرت العديد من الاحصائات والدراسات الدولية، لاسيما تلك المرفقة من طرف معهد الموارد العالمية (WRI)، الى ضرورة توخي المغرب الحذر من مشاكله المائية وانعكاساتها المستقبلية على اقتصاده الداخلي، والتطور الاجتماعي و السكاني فيه،  إذ يتبوء المغرب في اخر تصنيف للمعهد المرتبة 22 من اصل 164 دولة مهددة بالجفاف، و المرتبة 12 على مستوى شمال افريقيا و الشرق الاوسط، بالرغم من عدم انتمائه للدول التي تستهلك 80 في المئة من مواردها المائية الداخلية.

و تجدر الاشارة الى ان المغرب، ينتمي لمنطقة ذات اجواء حارة و جافة، الامر الذي ينعكس سلبا على المخزون المائي الخاص به، وبالتالي فان امدادات المياه منخفضة و الطلب عليها يعرف تزايدا ملحوظا على المستوى الداخلي، كما اشار التقرير الى ضرورة اتباع الحلول المتوفرة لمواجهة نقص المياه، منها العمل على البنيات التحتية كوحدات معالجة المياه و تنقيتها، علاوة على  توفير مناطق  تخزين للمياه تطابق المعايير المنصوص عليها دوليا، والاستعانة بتقنيات الترشيد الزراعي و تحسين تقنيات الري عموما، والاستعانة بالبذور ذات الاستهلاك الضعيف للمياه، ناهيك عن تحفيز الساكنة عبر وصلات توعوية حول استهلاك المياه، بغية انشاء مصادر جديدة للمياه.

و في نفس السياق، فقد اطلقت الحكومة المغربية في سنة 2018، خطة وطنية من اجل تقنين استخدام المياه، سواء للأغراض الصناعية و الفلاحية أو للسكانية، وهي خطة تسعى الى استثمار اكثر من 200 مليون درهم بحلول سنة 2030  في قطاع الماء بالمغرب، ناهيك عن تشجيع سياسة بناء السدود بالمغرب، من بينها سد “مداز” بمدينة صفرو، والذي سيوفر 600 مليون متر مكعب من المياه، وما يقرب من 125 مليون متر مكعب من الماء لانقاذ سهل سايس، زيادة على توفير 32 كلم من السواقي بجهة صفرو لوحدها. وقد خصصت الحكومة ايضا، مبلغ مالي يقرب من 3 مليارات درهم، قصد تطبيق مقتضى الحكامة الجيدة في تدبير المياه،  بهدف توفير 5.2 مليارات متر مكعب من المياه سنويا،  خلال الفترة المتراوحة ما بين 2010 الى 2030، حيث تهدف الى معالجة 31 في المئة من المياه، اي قرابة 400 مليون متر مكعب، من مياه تحلية البحر و تخليص المياه من الملوحة العالية  و الشوائب بانواعها، و 27 في المئة في تشجيع سياسة بناء السدود، و25 في المئة للتوجه نحو سياسة السقي بالرش و تقنية التنقيط المركز، و 11 في المئة في اعادة تدوير المياه العادمة و اقتصاد الماء في السياسات الاقتصادية و الاجتماعية و الفردية، و 6 في المئة في تحسين شبكات الربط والتوزيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: