يبدو أن ملف الإدمان الرقمي لدى الأطفال والمراهقين في المغرب دخل مرحلة جديدة من التعاطي الجدي، بعد أن أعلنت الحكومة عن قرب إخراج قانون وطني شامل لتنظيم سوق ألعاب الفيديو، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة على المستوى التشريعي. هذا التوجه جاء في سياق تصاعد القلق المجتمعي من التأثير المتزايد لألعاب مثل Roblox وFree Fire على فئة واسعة من الناشئة، حيث لم تعد هذه الألعاب مجرد وسيلة ترفيه عابرة، بل تحولت لدى كثيرين إلى نمط حياة يومي يهيمن على الوقت والاهتمام ويؤثر بشكل مباشر في السلوك والعلاقات الاجتماعية وحتى في التحصيل الدراسي. وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد كشف عن ملامح هذا المشروع المنتظر، مؤكدا أن الدولة لم تعد قادرة على الاكتفاء بالملاحظة من بعيد، في ظل ما تشهده بعض البيوت من صراعات يومية مع الشاشات، وما ترصده المؤسسات التربوية من حالات شرود وتراجع دراسي وعنف رمزي يتسرب من العالم الافتراضي إلى واقع الأطفال. وفي تصريح اعتبره كثيرون محوريا، قال الوزير إن الهدف هو “حماية الطفولة دون كسر روح الإبداع الرقمي”، وهي عبارة لخصت بدقة التوازن الصعب الذي تسعى الحكومة إلى تحقيقه بين التقنين دون خنق، والحماية دون وصاية مفرطة.
الرهان الأساسي في هذا المشروع التشريعي الجديد لا يقوم على منطق المنع الشامل أو الحظر العشوائي، بل على بناء منظومة تنظيمية دقيقة تقوم على تصنيف عمري إلزامي للألعاب، وفق المعايير الدولية المعمول بها في كبريات الأسواق العالمية. هذا التصنيف لن يكون شكليا، بل سيترتب عنه تحديد واضح لما يمكن أن يلعبه الطفل في كل مرحلة عمرية، مع فرض قيود حقيقية على المحتوى العنيف أو الذي يتضمن إيحاءات غير مناسبة. التركيز سيوجه أيضا إلى المشتريات المدمجة داخل الألعاب، وهي النقطة التي تشكل مصدر قلق كبير للأسر المغربية، خصوصا ما يتعلق بصناديق المكافآت الافتراضية التي تدفع اللاعب إلى الإنفاق المتكرر بدافع الحظ أو التحفيز النفسي، دون وعي حقيقي بالكلفة. كثير من الآباء اكتشفوا متأخرين أن أبناءهم أنفقوا مبالغ ليست بالهينة في ألعاب مجانية ظاهريا، لكنها مدفوعة عمليا من خلال أنظمة شراء داخلية ذكية ومغرية. القانون الجديد يسعى إلى ضبط هذا الجانب عبر فرض الشفافية، ومنح المستهلكين حقوقا واضحة في الاسترجاع والاسترداد في حالات الاستغلال أو التضليل، وهو ما يمثل نقلة نوعية في حماية المستخدم داخل الفضاء الرقمي.
ولا يقف المشروع عند حدود التصنيف العمري أو مراقبة المحتوى وحدهما، بل يتجه نحو إرساء نظام رقابي متكامل يشمل ترخيص الألعاب قبل تداولها وطنيا، ووضع ضوابط تقنية تتحكم في فترات اللعب، مع توفير أدوات رقابة أبوية فعالة تتيح للأسر مراقبة ما يلعبه الأبناء ومدة استخدامهم للألعاب. هذا الجانب بالتحديد يُنظر إليه كحل عملي لكثير من الإشكالات اليومية داخل البيوت، حيث يجد الآباء أنفسهم عاجزين أمام إدمان أبنائهم للشاشات، دون أدوات حقيقية لتنظيم ذلك الاستعمال. إلى جانب هذا، يتضمن المشروع شقا مهما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية للأطفال، إذ سيُفرض على شركات الألعاب احترام معايير صارمة في جمع البيانات وتخزينها واستعمالها، بما يضمن عدم استغلالها لأغراض تجارية أو إعلانية غير مشروعة. الشفافية في العمليات الرقمية، سواء في ما يتعلق بالمدفوعات أو بالإعلانات الموجهة داخل الألعاب، ستكون أيضا من بين الأعمدة الأساسية لهذا الإطار القانوني الجديد، في محاولة لإعادة الثقة بين المستخدمين والأسواق الرقمية.
الرؤية الحكومية في هذا الموضوع لا تقتصر على القانون بمعناه الصارم، بل تمتد إلى اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، تشارك فيها عدة قطاعات ومؤسسات. فإلى جانب الدور الرقابي والتنظيمي، هناك توجه واضح نحو إطلاق حملات توعوية داخل المدارس، بشراكة مع وزارة التربية الوطنية، لتعريف الأطفال بمخاطر الإدمان الرقمي، وبكيفية الاستعمال الآمن والمتوازن للتكنولوجيا. هذه الحملات لن تكون دروسا نظرية جافة، بل من المنتظر أن تعتمد أساليب تفاعلية قريبة من لغة التلاميذ، لأن الحديث عن الألعاب بلغة بعيدة عن عالمهم لا يؤدي عادة إلى نتائج ملموسة. من جهة أخرى، ستواكب وزارة الصحة هذا الورش من خلال برامج لرصد الآثار النفسية والسلوكية للإدمان الرقمي، سواء على مستوى القلق، أو اضطرابات النوم، أو ضعف التركيز. في السياق نفسه، يجري الحديث عن تشجيع شركات تطوير الألعاب على الالتزام بمدونات سلوك واضحة تحمي القاصرين، وتضع الاعتبارات الأخلاقية في صميم عملية التصميم البرمجي، بدل الاكتفاء بمنطق الربح السريع وعدد التحميلات.
ورغم أن الهاجس الأول في هذا المشروع هو حماية الأطفال، فإن الحكومة تراهن أيضا على أن يشكل هذا القانون فرصة حقيقية لتنظيم سوق ألعاب الفيديو في المغرب، وتحويله إلى رافعة اقتصادية واعدة داخل منظومة الاقتصاد الرقمي. فالقطاع يعرف نموا متسارعا عالميا، والمغرب يمتلك كفاءات شابة قادرة على ولوج هذا المجال بقوة إذا توفرت البيئة القانونية المشجعة. تنظيم السوق سيمنح المستثمرين وضوحا أكبر، ويفتح الباب أمام تطوير ألعاب محلية تحترم الخصوصية الثقافية وتنافس في الوقت نفسه على المستوى الدولي. هذا التوجه ينسجم مع طموح المغرب في تعزيز حضوره داخل الصناعات الإبداعية، وعدم الاكتفاء بدور المستهلك. منصات إعلامية عربية متخصصة في ألعاب الفيديو مثل PixelArab وبيكسل_عرب ترى في هذا المسار فرصة تاريخية لإعادة ترتيب المشهد، سواء من حيث حماية المستخدم، أو من حيث دعم مطوري الألعاب الشباب. وفي نهاية المطاف، يبدو أن الرؤية الحكومية تراهن على معادلة دقيقة مفادها أن التكنولوجيا ليست عدوا يجب محاربته، بل أداة يجب توجيهها، حتى تظل في خدمة المعرفة والإبداع، بدل أن تتحول إلى مصدر تهديد صامت داخل غرف الأطفال.