يشهد المشهد التكنولوجي في المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعكس رغبة واضحة في الانتقال من موقع المستهلك للتقنيات إلى موقع الفاعل والمطور، وفي خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة أعلنت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عن الإطلاق الرسمي للمشروع الوطني للذكاء الاصطناعي معاهد الجزري Jazari Institutes، وهو مشروع وطني واسع النطاق يهدف إلى بناء شبكة متكاملة من مراكز التميز في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار ما نراه في الدول الرائدة تكنولوجيًا. الإعلان جاء في سياق عالمي يشهد تنافسًا محتدمًا حول تقنيات AI، سواء على مستوى تطوير النماذج أو توطين الاستخدامات العملية داخل القطاعات الاقتصادية المختلفة، ما يجعل هذه المبادرة المغربية محط اهتمام ليس فقط محليًا، بل أيضًا إقليميًا وإفريقيًا. المشروع، كما قُدم، لا يقتصر على البحث الأكاديمي البحت، بل يسعى إلى خلق منظومة حية تربط البحث العلمي بالابتكار الصناعي، وتفتح المجال أمام الشركات الناشئة، وتدعم رقمنة المقاولات الصغرى والمتوسطة، مع تركيز واضح على تنمية الكفاءات الوطنية واستقطاب العقول المغربية داخل الوطن وخارجه، في مقاربة شمولية تشبه إلى حد بعيد ما تعتمده كبرى المنصات التكنولوجية العالمية في ربط البحث بالإنتاج.
وقد تم الكشف عن تفاصيل المشروع خلال حفل رسمي نظم بالرباط يوم الإثنين 12 يناير 2026، بحضور مسؤولين حكوميين وخبراء دوليين وممثلين عن منظومات الابتكار، حيث شهد الحدث توقيع اتفاقيات هيكلية تجمع مختلف الشركاء المنخرطين في تنزيل هذه الشبكة الوطنية من مراكز التميز. الحدث لم يكن مجرد إعلان إداري، بل لحظة مفصلية تعكس انتقال الدولة من مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة التنفيذ العملي. وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة وصفت هذه الخطوة بأنها لحظة محورية ليس فقط من حيث رمزيتها المؤسساتية، ولكن لما تحمله من دلالات استراتيجية بعيدة المدى، مؤكدة أن هذه الاتفاقيات تؤسس فعليًا لانطلاق شبكة وطنية قادرة على ربط البحث العلمي بالمنظومة الإنتاجية، وتسريع نمو الشركات الناشئة، ودعم رقمنة المقاولات الصغرى والمتوسطة، إلى جانب تطوير واستقطاب الكفاءات المغربية. في عالم الألعاب والتقنية، اعتدنا أن نرى كيف يمكن لمختبر واحد أو مركز أبحاث صغير أن يغير مسار شركة بأكملها، والأمر نفسه ينطبق هنا على مستوى دولة، حيث الرهان لم يعد فقط على البنية التحتية، بل على العقول والبيئة التي تحتضنها.
الاسم الذي تم اختياره لهذا المشروع لم يكن اعتباطيًا، فإطلاق تسمية Jazari Institutes يحمل بعدًا رمزيًا وثقافيًا قويًا، إذ يعود إلى العالم الموسوعي الجزري، أحد أبرز رواد الهندسة والميكانيك والروبوتات في التاريخ الإسلامي. هذا الربط بين الماضي العلمي والحاضر الرقمي يعكس رغبة في تأصيل مشروع الذكاء الاصطناعي ضمن هوية معرفية محلية، دون الانفصال عن السياق العالمي. الوزارة أوضحت أن إطلاق معهد جزري النواة JAZARI ROOT إلى جانب معاهد جزري الموضوعاتية يعكس انتقال المغرب من مرحلة الرؤية والتخطيط إلى مرحلة التنفيذ المنظم وبناء القدرات الوطنية، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية، وضمن تفعيل عملي لاستراتيجية المغرب الرقمي 2030. هنا، لا يمكن تجاهل التشابه مع ما نراه في صناعة الألعاب حين تنتقل شركة من مرحلة وضع الأفكار إلى مرحلة إطلاق محركات ألعاب جديدة أو استوديوهات متخصصة، حيث يصبح التنفيذ هو الفيصل الحقيقي بين الطموح والواقع. معاهد الجزري، وفق ما تم الإعلان عنه، ستعمل كمنصات مفتوحة للبحث والتطوير، وحاضنات للابتكار، وجسور تربط الجامعة بالصناعة، وهو نموذج أثبت نجاعته في تجارب دولية عديدة.
ومن بين أبرز محطات هذا اليوم أيضًا، الإعلان عن إطلاق مختبر البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي بشراكة بين Mistral AI وMTNRA ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، وهو مختبر يمثل نقلة نوعية في مستوى التعاون الدولي للمغرب في مجال AI التوليدي. هذه الشراكة تأتي في إطار مذكرة تفاهم موقعة مع Mistral AI، إحدى الشركات الرائدة عالميًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتفتح الباب أمام تعاون تقني وعلمي متقدم يشمل تبادل الخبرات، وتنظيم ورشات عمل، وجلسات تصميم مشترك، إضافة إلى برامج موجهة للرفع من الكفاءات. بالنسبة لمتابعي أخبار التقنية، اسم Mistral AI لم يعد غريبًا، خصوصًا مع تصاعد حضورها في سوق النماذج اللغوية، ما يجعل وجودها داخل منظومة Jazari ROOT مؤشرًا على مستوى الطموح الذي يسعى إليه المشروع. المختبر سيعمل أيضًا على التطوير المشترك لمكونات تكنولوجية، وإنجاز نماذج أولية، وتجارب إثبات المفهوم، وتقييم النماذج، وإنتاج مخرجات تقنية ومنهجية تهدف إلى هيكلة المعارف المتراكمة وتثمينها، وهي مقاربة تشبه إلى حد كبير آليات التطوير المعتمدة في استوديوهات الألعاب الكبرى عند اختبار محركات الرسوميات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل الألعاب.
الإشراف الاستراتيجي على هذا التعاون ستتولاه وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، من خلال دمج هذه المبادرات ضمن الاستراتيجية الوطنية المغرب الرقمي 2030، وتحديد حالات الاستعمال ذات الأولوية، وتعبئة المنظومة الوطنية من جامعات، ومقاولات، وشركات ناشئة. في المقابل، ستساهم Mistral AI في التشغيل التكنولوجي والبيداغوجي للبرنامج، عبر توفير خبرتها المتقدمة، وإتاحة الولوج إلى نماذجها وحلولها المتطورة، والمشاركة في حكامة هذا التعاون. البلاغ الرسمي وصف هذه الشراكة بأنها تعبير عن إرادة مشتركة للتوفيق بين السيادة الرقمية، والتميز التكنولوجي، والتعاون الدولي، وترسيخ موقع المغرب كفاعل إقليمي وإفريقي مرجعي في مجال الذكاء الاصطناعي. الرسالة التي أرادت الحكومة إيصالها بدت واضحة وصريحة، وجاءت على لسان المسؤولة الحكومية في اقتباس واحد محوري: “الذكاء الاصطناعي ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء دولة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر اندماجا”. هذا التصريح يلخص فلسفة المشروع بأكمله، ويضعه في سياق عملي بعيد عن الشعارات، حيث يصبح المعيار الحقيقي للنجاح هو الأثر الملموس في حياة المواطنين وفي تنافسية المقاولة المغربية.
في المحصلة، مشروع معاهد الجزري للذكاء الاصطناعي لا يمكن قراءته كمبادرة معزولة، بل كجزء من مسار طويل يسعى إلى إعادة تموقع المغرب داخل الخريطة الرقمية العالمية. نجاح هذا المشروع سيقاس بقدرته على إنتاج حلول فعلية، وخلق فرص شغل نوعية، ودعم منظومة الابتكار المحلية، تمامًا كما نقيس نجاح لعبة أو منصة تقنية بمدى تبني المستخدمين لها وتأثيرها في السوق. الرهان اليوم لم يعد على الإعلان أو النوايا، بل على الاستمرارية والتنفيذ والقدرة على مواكبة الإيقاع السريع لتطور تقنيات AI. ومع انطلاق Jazari Institutes، يبدو أن المغرب يضع قدمه بثقة داخل هذا السباق العالمي، واضعًا نصب عينيه هدف التحول إلى قطب إقليمي وقاري للذكاء الاصطناعي الموثوق، في خطوة قد تشكل، إذا ما كُتب لها النجاح، نقطة تحول حقيقية في مسار التحول الرقمي الوطني، تمامًا كما شكلت بعض اللحظات المفصلية في تاريخ صناعة الألعاب انتقالات غيرت وجه الصناعة إلى الأبد.