يبدو أن سلسلة Rush Hour التي شكلت جزءًا راسخًا من الذاكرة السينمائية لدى جمهور الأكشن والكوميديا تعود إلى الضوء مرة أخرى في خبر لم يكن كثيرون يتوقعونه. العمل على الجزء الرابع بدأ يأخذ شكلاً رسميًا داخل Paramount وفق تقرير واسع الانتشار خلال الأيام الماضية، وهو خبر فتح بابًا طويلًا من النقاشات بين محبي السلسلة والمتابعين لصناعة السينما الأمريكية. ورغم أن الحديث عن جزء رابع كان حاضرًا منذ سنوات، إلا أن الإعلان هذه المرة يأتي في ظرف مختلف كليًا، خصوصًا مع المعلومات التي تفيد بأن المشروع استفاد من تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي السابق Donald Trump الذي طلب من الاستوديو إحياء السلسلة. هذه التفاصيل بحد ذاتها تكفي لتمنح المشروع هالة إعلامية كبيرة، بعيدًا عن جانبه الفني أو التجاري.
وبينما يحاول كثيرون فهم خلفيات هذا التدخل، يظهر أن العلاقة التي نشأت بين المخرج Brett Ratner وبعض الأطراف في الإدارة الأمريكية السابقة خلال عمله على فيلم وثائقي يتعلق بMelania Trump لعبت دورًا مهمًا في دفع المشروع إلى الأمام. من الغريب بالفعل أن يعود Ratner إلى الإخراج بعد سنوات من التوقف بسبب الاتهامات المرتبطة بحركة MeToo التي قلبت صناعة السينما رأسًا على عقب في مرحلة حساسة من تاريخ هوليوود. ورغم الجدل الذي ما زال يرافق اسمه، يبدو أن عودته اليوم تجد طريقها عبر مشروع ضخم لطالما ارتبط به، فهو مخرج الأجزاء الثلاثة الأولى التي صنعت هوية Rush Hour وكرست نجاحها عالميًا.
الجمهور الذي تابع هذه السلسلة طوال سنوات يعرف جيدًا نقاط قوتها، أهمها الكيمياء الكوميدية الطريفة بين Jackie Chan وChris Tucker. ولهذا فإن الخبر الذي يؤكد عودتهما معًا في الجزء الرابع أعاد إشعال الحماس لدى كثيرين، خصوصًا أن غياب Tucker عن السينما دام طويلًا منذ آخر ظهور له في الجزء الثالث الصادر قبل أكثر من عشر سنوات. البعض عبّر عن قلقه من قدرة الثنائي على تقديم نفس مستوى الحركة والكوميديا، خصوصًا أن Jackie Chan الآن يبلغ واحدًا وسبعين عامًا، لكن تاريخ Chan مليء بمحاولات ناجحة لتجاوز قيود العمر عبر خبرته الطويلة وقدرته على إعادة ابتكار نفسه في مشاهد الأكشن، حتى لو ابتعد عن الحركات الأكثر خطورة.
اللافت في هذا المشروع الجديد هو ترتيبه الإنتاجي الذي يبدو غير معتاد. Paramount ستتولى التوزيع مقابل أجر ثابت دون أن تتحمل تكاليف التسويق أو التمويل، بينما تحتفظ Warner Bros بما يسمى أول دولار من الأرباح، وهي صيغة تمنح الاستوديو نسبة من الإيرادات حتى قبل استعادة المستثمرين لرأس المال. هذه البنية المالية غير التقليدية جاءت بعد أن قررت Warner Bros السماح لصنّاع الفيلم بالتجول بين الاستوديوهات للبحث عن جهة تتولى المشروع. التجول لم يكن ناجحًا في البداية بسبب تخوف غير معلن من ارتباط اسم Ratner بقضايا سابقة، إلا أن Paramount كسرت هذا التردد لسبب قد لا ينفصل عن التغيير الكبير الذي تشهده داخل إدارتها الجديدة.
ولعل أهم تطور في الوضع التنظيمي للاستوديو هو استحواذ Skydance عليه وانتقال القيادة بالكامل إلى David Ellison الذي يبدو أنه يسعى لإعادة تشكيل قائمة إصدارات Paramount خلال السنوات المقبلة. الحديث هنا ليس مجرد توقعات، بل خطة معلنة تهدف لرفع عدد الإصدارات السنوية إلى خمسة عشر فيلمًا في سنة ستة وعشرين ومحيط السبع عشرة في سنة سبعة وعشرين وثمانية عشر بحلول سنة ثمانية وعشرين. من الطبيعي أن يبحث Ellison عن مشاريع تحمل شعبية جاهزة تمهد لتنشيط الحضور التجاري للشركة، خصوصًا أن دور السينما تحتاج اليوم إلى عناوين قوية تكون قادرة على جذب جمهور واسع بعد التراجع العالمي الذي أصاب الأفلام الكوميدية والحركية خلال السنوات الأخيرة. وضمن هذا السياق، يبدو Rush Hour 4 خيارًا مناسبًا لاسترجاع الاهتمام بالسلسلة مع الاعتماد على الحنين إلى الماضي كوسيلة فعالة لاستقطاب الجمهور.
المثير للاهتمام هو أن الأفلام السابقة من السلسلة حققت أرقامًا ضخمة رغم آراء نقدية متفاوتة، فقد جمع الجزء الأول أكثر من مائتين وأربعين مليون دولار، بينما حقق الثاني والثالث أرقامًا تجاوزت الثلاثمائة مليون في بعض الأحيان. النجاح الجماهيري لم يكن مفاجئًا، خصوصًا أن الأفلام جمعت بين حس Jackie Chan الحركي السريع وروح Chris Tucker الكوميدية التي كانت تمثل عنصرًا قويًا من عناصر الترفيه في تلك المرحلة. وعندما تعود اليوم لتتذكر المشاهد الكلاسيكية من الأجزاء السابقة، ستجد أن كثيرًا منها ما زال حاضرًا في الثقافة الشعبية بفضل هذا التزاوج بين الأكشن والكوميديا. هذا الإرث يجعل من السهل توقع اهتمام الجماهير بالجزء الرابع حتى لو تغيرت ظروف الصناعة.
ولا يمكن تجاهل تأثير البيئة السينمائية الحالية. الكوميديا لم تعد تحتل المكانة التي كانت لها في سنوات الألفين، ووجود أفلام تعتمد على شباك التذاكر وحده أصبح مخاطرة في عالم باتت فيه منصات البث تلعب الدور الأبرز. لهذا من الطبيعي أن يتساءل المتابعون إن كان Rush Hour 4 قادرًا على استعادة هيبة هذا النوع من الأفلام، أو على الأقل جذب جمهور متعطش لأعمال بسيطة وممتعة تقدم ما يريده الناس دون تعقيد. البعض يرى أن قوة السلسلة جاءت من قدرتها على جعل المشاهد يشعر بأنه أمام فيلم خفيف ينساب بسهولة ويعتمد على لحظات العفوية أكثر مما يعتمد على ضخامة الإنتاج، وهو عنصر قد يساعد هذا الجزء الجديد في الحفاظ على روحه.
وبينما يترقب الجمهور الإعلان الرسمي عن موعد التصوير، يرد إلى الذهن سؤال مهم يتعلق بمدى قدرة Jackie Chan على تقديم مشاهد قد تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا، خصوصًا أن أعماله السابقة كانت تعتمد على مزيج من الحركات الخطرة والارتجال الذي اشتهر به، لكن إذا عدنا إلى تصريحاته الأخيرة سنجد أنه أصبح يركز على أفلام تحافظ على هوية الأكشن من دون أن تفرض عليه نفس مستوى المخاطرة. أما Chris Tucker، فقد يكون هذا المشروع فرصة مثالية للعودة إلى السينما بعد سنوات من الغياب، فغيابه ترك لدى الناس حالة من الفضول حول أدائه وقدرته على استعادة شخصيته المميزة في السلسلة.
ولعل أكثر عبارة تعكس روح المشروع وما يدور حوله هي الجملة التي وردت في تقرير Semafor حين تحدث عن طلب Trump لإحياء السلسلة باعتبارها من الأفلام التي أحبها الناس في فترة صدورها، ما يجعل عرضه لوجهة نظره بسيطًا وواضحًا عندما قال إن من الجيد أن يرى الجمهور عملاً جديدًا يجمع Chan وTucker. هذه العبارة ربما تحمل روح الحنين التي تدفع الكثيرين للعودة إلى أعمال ارتبطت بمرحلة معينة من حياتهم.
وبشكل عام، ما يحدث اليوم يعكس طبيعة السينما نفسها، فهي ليست مجرد صناعة قائمة على الربح والخسارة، بل مساحة يتداخل فيها السياسي مع الفني ومع التجاري ومع العلاقات الشخصية. مشروع Rush Hour 4 يوضح ذلك بشكل واضح، إذ يجمع في خلفيته مزيجًا من تغيرات الشركات والعلاقات الخاصة والحنين الجماهيري والتحولات الاقتصادية التي تعيشها هوليوود. لهذا ربما يجد هذا الفيلم، عندما يصدر، جمهورًا واسعًا يشعر بأن هذه السلسلة لم تكن مجرد أفلام كوميدية، بل كانت لقاءً جميلًا بين ثقافتين وأسلوبين في الأداء، وجزءًا من ذكريات مرحلة كاملة من السينما التجارية.
ومهما كان موقف الجمهور من عودة Ratner أو من تدخل Trump في المشروع أو من قدرة Chan وTucker على استعادة أدوارهما القديمة، فإن إعلان العمل على الجزء الرابع وحده كفيل بأن يفتح فصلًا جديدًا في قصة السلسلة، وربما يجعلها تعود إلى دائرة الاهتمام مرة أخرى بعد سنوات من الغياب. وحين يصدر الفيلم، سيكون الجمهور قادرًا على الحكم بنفسه إن كانت العودة تستحق الانتظار أم لا، لكن الواضح أن هذا المشروع أصبح واقعًا الآن بعد أن ظل أشبه بأسطورة يتم تداولها بين الحين والآخر دون أي خطوة حقيقية.