جاء الإعلان عن مبادرة Genesis ليضيف طبقة جديدة من الزخم إلى الجهود الفيدرالية الرامية إلى تسريع اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة، بعدما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يعطي هذه المبادرة الضوء الأخضر للانطلاق. وقد بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الإدارة الأميركية أرادت تقديم المشروع بصيغته الأكبر، ليس فقط كمبادرة تقنية عادية، بل كخطوة استراتيجية تحمل طابعاً مشابهاً لبرامج عالمية تاريخية وضعت بصمتها في مسار العلوم. وهذا السياق يعطي للمبادرة أهمية تتجاوز الوصف التقليدي، خصوصاً أنها تقدم نفسها كأضخم مسعى علمي منذ برنامج Apollo، وفق التصريحات الرسمية.
وتشير التفاصيل الأولية المعلنة إلى أن المبادرة تستهدف تغيير طريقة تعامل الوكالات الفيدرالية مع الأبحاث المتقدمة، عبر دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والتحليل واتخاذ القرار. وقد أوضح Michael Kratsios، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، أن الهدف الأعمق للمبادرة ليس مجرد تحديث البنية التقنية، بل خلق نمط جديد للتعاون بين المؤسسات الحكومية ومراكز الأبحاث والقطاع الخاص. وذكر أن اعتماد الذكاء الاصطناعي بهذه الصورة من شأنه تقليص الزمن اللازم لتحقيق اكتشافات علمية كبرى، وهو أمر لطالما كان نقطة ضعف في المشاريع الحكومية بسبب ضخامة الإجراءات وتعدد مستويات المراجعة.
ومن النقاط التي لفتت الأنظار أيضاً في العرض الرسمي أن الإدارة تعتزم الاستفادة من البنية الحوسبية الضخمة المتوفرة داخل مختبرات وزارة الطاقة الأميركية. هذه المختبرات تمتلك بالفعل أنظمة حوسبة فائقة مصنّفة ضمن الأعلى قدرة على مستوى العالم، ما يجعلها مناسبة للعمل مع قواعد بيانات بحجم هائل، وهو تماماً ما يحتاج إليه الذكاء الاصطناعي للوصول إلى نتائج دقيقة. ولعل الجانب الأكثر إثارة أن المبادرة تخطط لفتح المجال لتجارب تعتمد على الذكاء الاصطناعي لم تكن متاحة سابقاً على هذا المستوى الحكومي، وهو ما يعكس نوعاً من “إعادة هيكلة” للعلاقة بين الدولة والتقنيات الحديثة. وقد شبّه Kratsios هذا التحول بقوله: “بقوة الذكاء الاصطناعي، تقف أميركا على أعتاب ثورة علمية”.
وتعود أهمية الشراكة مع القطاع الخاص إلى واقع بسيط: الشركات مثل NVIDIA وDell Technologies وHPE وAMD أصبحت اليوم تمثل العمود الفقري للحوسبة المتطورة عالمياً. لذا، فإن انضمامها إلى مبادرة Genesis ليس مجرد تعاون تقني، بل خطوة إستراتيجية تعكس رغبة حكومية في توحيد الجهود. وقد أشار مسؤول في الإدارة، رفض الكشف عن اسمه، إلى أن ما تم الإعلان عنه حتى الآن ليس سوى البداية، وأن المبادرة ستشهد لاحقاً خطوات توسعية في مجالات عدة. وهذه التصريحات تعتبر مؤشراً على أن المشروع مرشح ليصبح أحد أكبر المشاريع التكنولوجية الحكومية خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع تصاعد المنافسة التكنولوجية الدولية والتوتر المستمر بين الولايات المتحدة والصين في ميدان الابتكار.
وفي ظل حالة القلق المتنامية لدى الأميركيين بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، حاولت الإدارة ربط مبادرة Genesis بأهداف اقتصادية ملموسة. فقد تحدث مسؤولون حكوميون عن أن تسريع الاكتشافات العلمية يمكن أن يؤثر مستقبلاً على قطاعات مثل هندسة المواد والعلوم الصحية والطاقة، وهي قطاعات ترتبط بشكل مباشر بأسعار المنتجات والخدمات الأساسية. وذهب المسؤولون إلى أبعد من ذلك، حيث أكدوا أن تعزيز الذكاء الاصطناعي في عملية الإنتاج من شأنه رفع الكفاءة وتخفيض النفقات وتقليل زمن التطوير، ما قد ينعكس إيجاباً على الأسعار النهائية للمستهلكين. وتبدو هذه الرسالة موجهة بشكل واضح إلى الناخبين القلقين من موجة الغلاء الأخيرة، في محاولة لربط الابتكار التكنولوجي بتحسين مستوى الحياة اليومية.
لكن جانباً آخر من النقاش ظهر بقوة، يتعلق باستهلاك الطاقة الهائل الذي تتطلبه مراكز البيانات الحديثة. فالذكاء الاصطناعي، بخلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى، ليس مجرد برمجيات تعمل في الخفاء، بل يتطلب تشغيله بنية تحتية ضخمة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية. وقد عبّر عدد من الخبراء عن مخاوف من أن يؤدي التوسع في هذه المراكز إلى زيادة الضغط على شبكة الكهرباء الأميركية، التي تواجه أصلاً تحديات تتعلق بقدم البنية وتفاوت الكفاءة بين الولايات. وفي هذا السياق، حاول وزير الطاقة Chris Wright طمأنة الرأي العام، موضحاً أن المبادرة ستعمل أيضاً على تطوير تكنولوجيا الطاقة لتلبية الاحتياجات الجديدة، قائلاً إن الهدف النهائي هو إضافة قدرات جديدة وتعزيز كفاءة الشبكة، إضافة إلى محاولة عكس الاتجاه الصاعد لأسعار الكهرباء.
وما يلفت أن Wright ذهب إلى حد القول بأن الإدارة تسعى إلى وقف ارتفاع أسعار الطاقة، بل والضغط نحو تخفيضها في مرحلة لاحقة، وهو تصريح قد يراه البعض طموحاً، لكنه يعكس رؤية سياسية واضحة. ذلك أن الحفاظ على سعر معقول للطاقة يعتبر مفتاحاً أساسياً لأي استراتيجية حكومية تسعى لتبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، خصوصاً إذا كان الهدف جذب استثمارات إضافية من القطاعين العام والخاص. وأشار الوزير إلى أن تحقيق هذه الأهداف سيعتمد على تطوير تقنيات جديدة، والاستفادة من التقدم المحقق داخل مختبرات وزارة الطاقة، بما في ذلك مشاريع الحوسبة الخضراء وتقليل استهلاك الطاقة في مراكز البيانات.
وتأتي المقارنات التي استخدمها عدد من مسؤولي الإدارة لتعزيز الصورة العامة للمبادرة، إذ ذكّر Karl Ko، رئيس موظفي وزارة الطاقة، بأن الولايات المتحدة سبق أن قادت مشاريع علمية ضخمة مثل Manhattan Project خلال الحرب العالمية الثانية، وبرنامج Apollo الذي وضع الإنسان على سطح القمر. وهذه المقارنة ليست عشوائية، بل تهدف إلى تقديم مبادرة Genesis كخطوة مشابهة في حجمها وأثرها، وكأنها مشروع وطني تتشارك فيه مختلف الهيئات، وليس مجرد برنامج حكومي محدود. وقد كرر Kratsios نفس الفكرة عندما وصف المبادرة بأنها أكبر تعبئة للموارد العلمية الفيدرالية منذ عصر Apollo، في إشارة مباشرة إلى أن الإدارة تعتبر الذكاء الاصطناعي مجالاً لا يقل أهمية عن علوم الفضاء.
ويمكن القول إن هذا النوع من الرسائل يعكس توجهاً سياسياً واضحاً لدى الرئيس ترمب، الذي لطالما تحدث عن ضرورة التفوق في ميدان الذكاء الاصطناعي لضمان استمرار الريادة الأميركية. وقد اعتبر أن تطوير الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار اقتصادي أو علمي، بل معركة إستراتيجية يجب الفوز بها في مواجهة الصين وغيرها من الدول التي تنافس بقوة في هذا المجال. ولهذا السبب أصدرت الإدارة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الأوامر التنفيذية التي ركزت على تسهيل إنشاء مراكز البيانات، وإزالة بعض القيود التنظيمية التي كانت تعتبر عائقاً أمام التطوير.
وتشمل هذه الأوامر خطوات تهدف إلى وضع معيار فيدرالي موحد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من السماح للولايات بإصدار قواعد متباينة قد تخلق فوضى تشريعية. وتشير التسريبات إلى أن الرئيس يعتزم إصدار أمر تنفيذي جديد يعطي وزارة العدل صلاحية مقاضاة الولايات التي تفرض قوانين يعتبرها البيت الأبيض غير دستورية أو تعطل عملية التطوير. ومن الواضح أن هذا التوجه يهدف إلى منع ظهور لوائح محلية قد تؤثر سلباً على المبادرة أو تحد من مرونتها، ما يجعل الحكومة ترغب في الحفاظ على مساحة تنظيمية واسعة تسمح بتجربة تقنيات جديدة دون عوائق.
وفي ضوء كل هذه التطورات، تبدو مبادرة Genesis أكثر من مجرد مشروع حكومي تقني. إنها محاولة لإعادة صياغة علاقة الدولة الأميركية بالابتكار العلمي، وإعادة تأكيد مكانتها في السباق العالمي نحو بناء مستقبل يعتمد بشكل أعمق على الذكاء الاصطناعي. وبين الوعود الطموحة والتحديات الواقعية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة المبادرة على تحقيق أهدافها، خاصة في ظل المنافسة الدولية الشرسة والضغوط الاقتصادية الداخلية. لكن من الواضح أن المشروع، كما تقدمه الإدارة، يعكس رؤية واسعة تريد رفع سقف التوقعات، سواء لدى المؤسسات العلمية أو لدى المواطن الأميركي العادي الذي ينتظر أثراً مباشراً على حياته اليومية.