تعود سلسلة Assassin’s Creed إلى الواجهة مجددا بعد أن بدأت تتسرب معلومات جديدة حول النسخة التلفزيونية المنتظرة من Netflix. وعلى الرغم من أن المشروع ظل لسنوات طويلة محاطا بالكثير من الغموض، فإن المعطيات الأخيرة بدت أكثر وضوحا، ودفعت العديد من المتابعين إلى الاعتقاد بأن العمل يتجه فعلا نحو فترة تاريخية لم يتم استكشافها بشكل موسع داخل الألعاب، وهي روما القديمة في منتصف القرن الأول الميلادي. وقد انتشر هذا الطرح بشكل ملحوظ خلال الأيام الماضية بعد تداول تقارير تشير إلى أن المسلسل قد يتناول مرحلة حكم نيرون، الشخصية المثيرة للجدل في التاريخ الروماني، إلى جانب ظهور سينيكا الأصغر، أحد أبرز الفلاسفة في تلك الحقبة. وتزامن ذلك مع إعلان Netflix و Ubisoft عن ضم الممثل Toby Wallace لبطولة العمل، الأمر الذي أعاد المشروع مجددا إلى دائرة الاهتمام وأثار فضول الجمهور حول الهوية التاريخية التي يتبناها.
كانت أخبار تطوير عمل درامي ضخم مستوحى من Assassin’s Creed قد خرجت لأول مرة في خريف 2020، حين أعلنت Netflix و Ubisoft عن شراكة تمتد لسنوات وتهدف لإنتاج سلسلة من الأعمال المبنية على عوالم السلسلة الشهيرة. وظل الإعلان حينها مقتضبا، إذ اكتفت الشركتان بالإشارة إلى أن المشروع سيكون جزءا من مجموعة أعمال مستقبلية من دون الكشف عن أي تفاصيل حول الحقبة الزمنية، الشخصيات أو حتى البطل الرئيسي. ومع مرور السنوات، بقي الأمر معلقا إلى حد كبير، خصوصا أن الجمهور كان ينتظر معرفة الاتجاه الفني الذي سيحدد هوية المسلسل. ومع أن بعض الشائعات السابقة تحدثت عن احتمالات الذهاب إلى اليابان الإقطاعية أو إلى حقبة الحروب الصليبية، فإن ظهور تسريبات جديدة تدور حول روما القديمة قلب التوقعات رأسا على عقب، وجعل الأنظار تتجه نحو هذه الفترة المضطربة سياسيا والمليئة بالقصص الدرامية التي يمكن البناء عليها بسهولة.
كشف اختيار Toby Wallace كبطل للعمل عن جانب إضافي من ملامح الإنتاج، إذ بدا أن القائمين على المسلسل يبحثون عن طاقة تمثيلية قوية قادرة على حمل مشروع ضخم قائم على الأكشن التاريخي من جهة، وعلى الدراما النفسية والسياسية من جهة أخرى. وقد أصبح Wallace خلال السنوات الأخيرة من الأسماء الصاعدة في السينما والتلفزيون، واعتبر كثيرون أن وجوده في رأس قائمة الممثلين يمنح المشروع دفعة حقيقية، خصوصا حين ظهر اسما Roberto Patino و David Wiener في خانة الإشراف على العمل. فكل واحد منهما سبق له تقديم أعمال حظيت بتقدير نقدي معتبر، الأمر الذي يوحي بأن المشروع لن يكون مجرد اقتباس مباشر من ألعاب الفيديو، بل محاولة لتقديم تجربة تلفزيونية متقنة تستفيد من روح السلسلة وتقدم في الوقت ذاته شيئا جديدا يمنحها هويتها الخاصة.
من بين النقاط المثيرة للاهتمام أن ألعاب Assassin’s Creed لم تغص بشكل كامل في عمق التاريخ الروماني رغم أن تلك الحضارة كانت حاضرة دائما في خلفية lore السلسلة. وأقرب نقطة وصلنا إليها كانت في Assassin’s Creed Origins حين ظهرت شخصية آية أو أمنت في لحظات مرتبطة بروما، إلا أن ذلك الظهور ظل محدودا وغير كاف لبناء قالب درامي كبير. ولهذا فإن اختيار الحقبة المتعلقة بنيرون يشكل فرصة لاستكشاف مرحلة مضطربة تجمع بين صراع السلطة، الثورات الداخلية، الانقسامات السياسية، والظروف التي سبقت نهاية السلالة الجوليو كلودية. وإذا صحت التسريبات، فقد يتناول المسلسل سنوات التوتر التي سبقت الانفجار الكبير الذي عرفه حكم نيرون، وهو الحدث الذي فتح لاحقا الباب لما يعرف بعام الأباطرة الأربعة، تلك المرحلة الشهيرة التي تناوب فيها أربعة قادة على عرش روما في ظرف قياسي، مما وضع الإمبراطورية على حافة الانهيار.
وما يجعل روما القديمة خيارا جذابا لصنّاع العمل هو أنها توفر مسرحا مثاليا يجمع بين الدسائس السياسية والقتال والرموز الدينية والصراعات الفكرية. ومن السهل تخيل كيف يمكن لعناصر السلسلة الأساسية الظهور في تلك الحقبة، بدءا من فكرة القطع الأثرية التي تلاحقها جماعة Templars ووصولا إلى شبكة الاغتيالات التي تقف خلفها Brotherhood of Assassins. وحتى لو قرر الكتاب التحرك في اتجاه جديد يبتعد قليلا عن المسارات المعروفة، فإن الفترة مليئة بما يكفي من الأحداث التاريخية القابلة للمعالجة بشكل فني ينسجم مع قالب السلسلة.
وعلى الرغم من انتشار التسريبات، فإن Ubisoft و Netflix التزمتا الصمت الكامل من دون إصدار أي تأكيد. وهذا الأمر ليس غريبا، إذ إن المشاريع المرتبطة بالحقب التاريخية تحتاج دائما إلى وقت طويل قبل أن تصبح جاهزة للإعلان عنها بشكل نهائي. وغالبا ما يتم وضع الكثير من الاحتمالات قبل الاستقرار على خيار واحد. ومع هذا، فإن التسريبات المتعلقة بروما كانت الأعلى انتشارا أخيرا لأنها جاءت متزامنة مع خطوة الكشف عن بطل العمل، ما جعلها أكثر مصداقية في نظر المتابعين. وهناك دائما احتمال أن تكون Netflix تتعمد الحفاظ على الغموض لتضمن استمرار الاهتمام الجماهيري إلى حين الإعلان عن تفاصيل إضافية في الفترة المقبلة، خصوصا أن الشركة اعتادت على العمل بهذه الاستراتيجية في مشاريعها الضخمة.
ويبدو أن الجمهور جاهز تماما لفكرة استكشاف روما القديمة داخل عمل Assassin’s Creed، خصوصا أن السلسلة عرفت نجاحا كبيرا كلما ابتعدت عن المناطق التقليدية وذهبت نحو أزمنة جديدة. ويمكن العودة إلى تجربة Assassin’s Creed Origins أو Assassin’s Creed Odyssey كمثالين واضحين على كيف أن الانتقال إلى عوالم قديمة وغنية بالتفاصيل ساهم في إعادة حيوية السلسلة وإبراز نقاط قوتها بشكل أفضل. ولهذا فإن تقديم تجربة مشابهة عبر مسلسل تلفزيوني قد يكون خطوة مهمة لجذب شريحة جديدة من المشاهدين الذين لا يلعبون الألعاب، وفي الوقت نفسه فرصة للجمهور القديم لرؤية السلسلة في قالب مختلف.
وإذا حاولنا التفكير في الطريقة التي يمكن أن يعالج بها المسلسل شخصية مثل نيرون، فمن المحتمل أن يكون التوجه الدرامي مختلفا تماما عما اعتدنا عليه في بعض الأعمال التاريخية. فهذه الشخصية معقدة للغاية، حيث يراها البعض رمزا للطغيان بينما يقدمها آخرون كضحية للمؤامرات التي حامت حول الحكم في تلك الفترة. ويمكن للمسلسل أن يذهب في اتجاه يمنحه مساحة أوسع لإعادة تشكيل هذه الصورة، خصوصا أن Assassin’s Creed اعتادت على تقديم أحداث التاريخ من زاوية غير تقليدية. وقد يتم استخدام علاقة نيرون بمعلمه الفيلسوف سينيكا كنقطة محورية لشرح بعض الصراعات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في تلك السنوات، مما قد يمنح المسلسل عمقا أكبر إذا تمت معالجته بشكل متقن.
ويظل السؤال الأهم هو طبيعة البطل الذي سيؤديه Toby Wallace. فهل سيكون شخصية جديدة بالكامل تم ابتكارها للمسلسل، أم أنه امتداد لشخصيات ظهرت سابقا داخل ألعاب السلسلة؟ من المرجح أن يتجه العمل لطرح شخصية جديدة تتيح للكتاب حرية أكبر في بناء القصة بعيدا عن ثقل الشخصيات المعروفة. وهذا التوجه سيسمح بإعادة تقديم عالم السلسلة للجمهور من الصفر من دون الحاجة إلى الاعتماد على خلفيات معقدة تحتاج لشرح طويل، خصوصا أن هناك جمهورا واسعا لا يعرف إلا الخطوط العامة لعالم Assassin’s Creed.
ومهما كان اتجاه القصة، فمن الواضح أن Netflix تراهن على المشروع ليكون أحد أعمالها الكبيرة داخل تصنيف أكشن تاريخي مستوحى من ألعاب الفيديو. وإذا نجح المسلسل في تقديم تجربة مقنعة تجمع بين التاريخ والدراما والحركة، فقد يمهد الطريق لانطلاقة جديدة لعالم Assassin’s Creed خارج نطاق الألعاب، وربما يفتح الباب أمام أعمال إضافية تستكشف فترات أخرى لم تُتناول بعد بالشكل الكافي.