كما هو معلوم، نعيش اليوم في عالم تحكمه الرأسمالية المتوحشة، وهو نظام لا يعترف كثيرًا بالعاطفة أو الحنين، بل تحكمه لغة الربح والخسارة. ورغم اعتراض البعض عليه، إلا أن الواقع يفرضه علينا، إذ أصبحت معظم قواعد العيش مرتبطة به، وهو ما خلق تفاوتًا طبقيًا واضحًا وما يرافقه من توترات اجتماعية معروفة.
مجال الريترو غيمينغ ليس استثناءً من هذا الواقع، بل يخضع هو الآخر للمنطق نفسه. ويمكننا أن نميز داخله ثلاثة أطراف رئيسية:
الجامع الهاوي (Collector)،
البائع أو ما يُعرف بالـ Reseller،
وأخيرًا الطرف غير المهتم أو غير الواعي بقيمة ما يملكه، والذي يمكن تسميته مجازًا بـ “الفريسة”.
ويمكن تلخيص هذه الأطراف في عبارة: The Good, The Bad, The Ugly، ولكم حرية ترتيبها كما تشاؤون.
أولًا: الجامع الهاوي لأجهزة الريترو
تشكل هذه الفئة نسبة معتبرة من المهتمين بالمجال، وغالبًا ما تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو الميسورة. لا تعاني عادةً من مشاكل مادية، ولها انفتاح على الأسواق الخارجية، خصوصًا الأوروبية. أفراد هذه الفئة يمتلكون معرفة جيدة بالمجال، وكثير منهم نشأ وهو شغوف بعالم نينتندو، سيغا، أتاري، وغيرها من العلامات التي صنعت طفولتهم.
وهناك فئة أخرى يمكن وصفها بالـ TryHard Collectors، وهي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة أو الفقيرة. يعاني أفرادها من صعوبات مادية حقيقية في اقتناء الأجهزة وملحقاتها، لكنهم رغم ذلك يملكون شغفًا كبيرًا بالجمع، لأن هذه الأجهزة تذكرهم بزمن بسيط كانت فيه السعادة لا تحتاج إلى إمكانيات مادية كبيرة.
هذا النوع من الجامعين يرتبط عاطفيًا بمجموعته، ويصعب عليه التفريط فيها أو بيعها، لأن الأمر بالنسبة له يتجاوز المادة إلى الذاكرة والوجدان.
ثانيًا: البائع أو “الشناق”
وهو بطل القصة عند البعض وشريرها عند آخرين. تنتمي هذه الفئة غالبًا إلى الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، بل إن أغلبها من الفئات الهشة. لا يعنيها الحنين ولا قيمة التاريخ ولا ذكريات الطفولة، بل يهمها الربح فقط.
من باب الواقعية، هذه الفئة تبذل مجهودًا كبيرًا؛ تجوب الأسواق الشعبية، ومحلات البيع المستعمل، وتتابع مواقع التواصل الاجتماعي بحثًا عن الفرص. وفي إطار النظام الرأسمالي، يبقى هذا السلوك مفهومًا إلى حد ما.
ليس من الغريب أن يشتري أحدهم جهازًا مثل Game Boy Color بمبلغ 150 أو 200 درهم، ثم يعرضه للبيع بـ600 أو 700 درهم بعد الاطلاع على أسعاره في eBay أو PriceCharting.
المشكلة تظهر عندما يتم اعتماد سعر السوق العالمي حرفيًا أو أكثر، دون مراعاة القدرة الشرائية المحلية. فنحن في المغرب، والبيع يتم بالدرهم المغربي، وليس بالدولار أو اليورو.
الربح حق مشروع، لكن التسعير المنطقي ضروري حتى لا يُخنق هذا المجال ويُحرم الناس من الهواية. هذه دعوة للعقلاء، لا لمن يهمهم فقط جمع المال دون اعتبار للتوازن.
وفي الوقت نفسه، من الإنصاف عدم شيطنة هذه الفئة بالكامل، فبعض أفرادها لا يملكون بدائل أخرى للرزق، ويعملون بما توفر لهم، ولا يمكن فرض معايير أخلاقية على من يكافح لتأمين قوته اليومي.
ثالثًا: الفئة الأخيرة – “الفريسة”
وهي فئة مسكينة في الغالب، تضم آباءً أو أمهات يبيعون أغراضًا قديمة دون إدراك لقيمتها، أو أشخاصًا يجلبون سلعًا مختلطة من أوروبا ويعرضونها في الأسواق الشعبية، أو حتى من يعثر على جهاز مهمل ويبيعه بثمن زهيد.
رغم ندرة هذه الفئة، إلا أنها تبقى الهدف المشترك للجامعين والبائعين على حد سواء، ومن يصل إليها أولًا يكون قد ربح سباقًا لا ينتهي أبدًا.