من النادر أن نسمع اسم Hideo Kojima مرتبطًا بلعبة كلاسيكية بسيطة مثل Super Mario Bros، خصوصًا حين نضع في الاعتبار أن الرجل يقف خلف عناوين معقدة ومشحونة فلسفيًا مثل Metal Gear Solid وDeath Stranding، لكن هذا بالضبط ما كشفه المخرج والمصمم الياباني الشهير في حديث حديث أعاد النقاش حول البدايات الأولى التي شكّلت وعيه الإبداعي. Kojima أوضح أن Super Mario Bros. لم تكن مجرد لعبة عابرة في حياته الجامعية، بل تجربة محورية غيّرت مسار مستقبله بالكامل، ومنحته قناعة مبكرة بأن ألعاب الفيديو ليست مجرد تسلية مؤقتة، بل وسيط فني قادر يومًا ما على تجاوز السينما نفسها من حيث التأثير والانتشار. هذا التصريح أعاد تسليط الضوء على العلاقة العميقة بين الجيل الأول من ألعاب Nintendo وبين صناع الألعاب المعاصرين، الذين كبروا وهم يكتشفون إمكانيات هذا الوسط خطوة بخطوة.
حديث Kojima جاء ضمن تقرير مطوّل نشرته Wired، تطرّق فيه إلى مسيرته، أفكاره، ونظرته إلى تطور الصناعة، لكن اللافت أن السؤال عن أكثر لعبة لعبها في حياته قاده مباشرة إلى Super Mario Bros. دون أي تردد. بحسب ما قاله، فقد أمضى عامًا كاملًا خلال فترة دراسته الجامعية وهو يلعب هذه اللعبة، إلى درجة أنه كان يتغيب عن المحاضرات ليبقى في المنزل ممسكًا بذراع التحكم. في تلك الفترة، لم تكن الألعاب تُناقش كلغة فنية أو ثقافية كما هو الحال اليوم، ومع ذلك، استطاعت لعبة جانبية بسيطة، تعتمد على القفز والتقدم من اليسار إلى اليمين، أن تترك أثرًا عميقًا في عقل شاب كان يحلم بصناعة الأفلام. هذه المفارقة بحد ذاتها تعكس قوة التصميم الذكي والبساطة المدروسة التي تميزت بها أعمال Nintendo في الثمانينيات، وكيف يمكن لتجربة مباشرة وصادقة أن تفتح آفاقًا فكرية تتجاوز حدود التقنية.
عندما طُلب من Kojima تحديد اللعبة التي لعبها أكثر من غيرها، قال بالحرف الواحد:
«Super Mario Bros. بالتأكيد. لعبتها لمدة عام كامل. كنتُ طالبًا جامعيًا، وكنتُ أتغيب عن الدراسة لأبقى في المنزل وألعب. لولا Super Mario Bros. فربما لم أكن لأدخل هذا المجال أصلًا… نعم. لا أستطيع حقًا لعبها الآن. فهي لعبة أكشن جانبية التمرير، يتحرك فيها Mario من اليسار إلى اليمين، والقفز هو الأساس. لكن هناك زر الاندفاع، واستخدامه مع القفز يغيّر مسار القفزة بشكل دقيق، سواء للهجوم أو لتفادي الأخطار. لم يكن لديها تقريبًا أي قصة، ومع ذلك كانت تشعرك وكأنك تخوض مغامرة حقيقية. عندما رأيت ذلك، ورغم أنها كانت برسومات Pixel Art ومن دون قصة، شعرتُ أن هذا الوسيط سيتجاوز السينما يومًا ما. تلك القناعة هي التي قادتني إلى دخول صناعة ألعاب الفيديو.»
هذا الاقتباس يلخص الكثير من فلسفة Kojima الإبداعية لاحقًا، فهو يتحدث عن لعبة شبه خالية من السرد التقليدي، لكنها نجحت في خلق إحساس بالمغامرة. هنا تكمن الفكرة الجوهرية التي سترافقه لاحقًا في أعماله، وهي أن التجربة والشعور قد يكونان أقوى من القصة المكتوبة حرفيًا، وأن التفاعل بحد ذاته يمكن أن يروي حكاية كاملة دون الحاجة إلى حوار طويل أو مشاهد سينمائية معقدة.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن Super Mario Bros. جسدت في نظر Kojima ما يمكن وصفه بـ”السينما التفاعلية البدائية”، حيث لا توجد قصة واضحة، لكن اللاعب يعيش رحلة متكاملة من التحدي والاكتشاف. هذا الإحساس هو نفسه الذي حاول Kojima إعادة صياغته بأسلوبه الخاص لاحقًا، لكن مع إضافة طبقات من السرد، الرمزية، والأسئلة الوجودية. الفرق أن Mario اعتمد على الحركة والإيقاع، بينما ذهبت Metal Gear Solid وDeath Stranding إلى بناء عوالم سردية كثيفة، إلا أن الجذر واحد: إقناع اللاعب بأنه جزء من مغامرة حقيقية. ومن المثير للاهتمام أن Kojima يعترف اليوم بأنه لم يعد قادرًا على لعب Super Mario Bros. كما كان سابقًا، ليس لأنها فقدت قيمتها، بل لأن بساطتها الشديدة تجعله يراها الآن بعين المصمم المخضرم، لا بعين الطالب المتحمس، وهو اعتراف إنساني صادق يوضح كيف تتغير علاقتنا بالأعمال التي شكّلتنا مع مرور الزمن.
تصريحات Kojima تكتسب أهمية إضافية حين نضعها في سياق نقاش أوسع حول مستقبل ألعاب الفيديو مقارنة بالسينما. فكرة أن الألعاب “ستتفوق على الأفلام” لم تعد غريبة اليوم، خصوصًا مع الميزانيات الضخمة، التمثيل الاحترافي، والتقنيات السردية المتقدمة التي نراها في الإصدارات الكبرى. لكن المثير أن هذه القناعة وُلدت لدى Kojima منذ زمن كانت فيه الألعاب تُصنع ببضعة كيلوبايت من البيانات ورسومات Pixel Art بسيطة. هذا يعيدنا إلى جوهر الصناعة: الإبداع لا يرتبط دائمًا بالقوة التقنية، بل بالقدرة على تحفيز خيال اللاعب وإشراكه وجدانيًا. ربما لهذا السبب، لا تزال Super Mario Bros. تُذكر حتى اليوم كنقطة تحول تاريخية، ليس فقط للاعبين، بل لصناع الألعاب أنفسهم، ومن بينهم أحد أكثر الأسماء تأثيرًا في تاريخ هذا الوسط.