لم تعد محاكاة أجهزة الألعاب الكلاسيكية تقتصر على تشغيل الألعاب القديمة فحسب، بل أصبحت تمتد اليوم إلى إعادة إنتاج تجربة العرض نفسها بكل تفاصيلها. وهذا بالضبط ما يقدمه مشروع جديد من تطوير مهندس برمجيات سابق في Sega وFacebook، إذ نجح في ابتكار محاكي لشاشات CRT على نظام macOS يحاكي سلوك التلفزيونات القديمة بدرجة من الواقعية وصلت إلى تضمين أشهر “حل تقني” كان يلجأ إليه المستخدمون في الماضي، وهو الطرق على الشاشة لإعادة استقرار الصورة.
وقد أثار المشروع اهتمام مجتمع ألعاب الريترو خلال الأيام الماضية بعد انتشار مقطع فيديو جديد على منصة X، يُظهر أن الصورة المضطربة تعود إلى حالتها الطبيعية بمجرد توجيه ضربة خفيفة إلى الشاشة، في مشهد أعاد إلى الأذهان ذكريات تلفزيونات CRT التي اشتهرت بهذا السلوك لسنوات طويلة.
يقف وراء المشروع المطور GOROman، وهو مهندس عمل سابقًا لدى Sega ثم Facebook، ويواصل تطوير مشروعه مفتوح المصدر المعروف باسم famicom-rf-hackrf-decoder، والذي يهدف إلى إعادة إنشاء عملية استقبال وعرض إشارة جهاز Nintendo Famicom كما كانت تظهر على أجهزة التلفزيون التناظرية القديمة، ولكن باستخدام شاشة حديثة.
يعتمد المشروع على استقبال خرج RF من جهاز Famicom بصيغة NTSC-J عبر جهاز HackRF One، وهو مستقبل وإرسال لاسلكي معرف برمجيًا Software Defined Radio (SDR) مفتوح المصدر. وبعد التقاط الإشارة، يتولى البرنامج فك تشفيرها بالكامل برمجيًا، ثم يعرض الصورة مباشرة داخل نافذة على سطح مكتب macOS باستخدام مكتبة SDL2 وفي الزمن الحقيقي.
ورغم أن النتيجة النهائية تظهر على شاشة LCD حديثة، فإن البرنامج لا يكتفي بإضافة مؤثرات بصرية سطحية، بل يعيد محاكاة الطريقة التي كانت تعمل بها دوائر التلفزيون التناظري نفسها، بما يشمل معالجة الألوان، واستقرار الإشارة، والضوضاء، والتشويش، والانحرافات التي اشتهرت بها شاشات CRT.
ويشرح المطور أن جهاز Famicom لم يُصمم وفق معايير البث التلفزيوني التقليدية، إذ يستخدم عرضًا بدقة 240p غير متداخل، مع خصائص خاصة في معالجة الألوان وتوقيت الإشارة، وهو ما يجعل تشغيل خرج RF مباشرة على شاشة حديثة أمرًا معقدًا.
ولهذا السبب ينفذ البرنامج سلسلة من عمليات المعالجة في الخلفية للحفاظ على استقرار الصورة، والتعامل مع مشاكل مثل اهتزاز الإطار، وانحراف الصورة، وعدم استقرار نبضة الألوان Color Burst، وهي تحديات كانت أجهزة التلفزيون التناظرية تعالجها إلكترونيًا بصورة تلقائية.
عندما نشر GOROman النسخة الأولى من المشروع، لاحظ كثير من المتابعين أن الصورة تبدو وكأن التلفزيون معطل أكثر من كونها محاكاة واقعية لشاشة CRT. فقد ظهرت تشويشات قوية، ووميض متكرر، وانحرافات مبالغ فيها دفعت البعض إلى وصف المشروع بأنه “محاكي تلفزيون معطوب” بدلًا من كونه محاكيًا لشاشة كلاسيكية.
لكن المطور أوضح لاحقًا أن تلك المؤثرات كانت مقصودة، إذ تعمد المبالغة في تغيير تردد VHF لإظهار التأثيرات التناظرية بصورة فكاهية واستعراضية، وليس باعتبارها الإعداد الافتراضي للمشروع.
أما مقطع الفيديو الجديد، فقد جذب اهتمامًا أكبر بسبب إضافة عنصر غير متوقع تمامًا. إذ أصبح بالإمكان استعادة استقرار الصورة عبر توجيه ضربة خفيفة للشاشة، تمامًا كما كان يفعل كثير من المستخدمين مع أجهزة التلفزيون القديمة عندما تبدأ الصورة بالاهتزاز أو التشويش.
هذه الإضافة أثارت موجة واسعة من التعليقات، وبدأ البعض يحاول تفسير كيفية تنفيذها تقنيًا. فقد رجح بعض المستخدمين أن المشروع يعتمد على مستشعر زاوية غطاء أجهزة MacBook لاكتشاف الحركة، بينما تشير الملفات المنشورة على صفحة المشروع في GitHub إلى وجود متغير يحمل اسم audio tap، ما يوحي بأن البرنامج قد يعتمد في الواقع على التقاط صوت الطرق عبر الميكروفون، ثم يستخدمه لمحاكاة استقرار الصورة كما لو كانت شاشة CRT حقيقية.
وبغض النظر عن الطريقة المستخدمة، فإن الفكرة نفسها تعكس مدى اهتمام المطور بمحاكاة التجربة الكاملة، وليس مجرد الصورة النهائية. فالعديد من مشاريع المحاكاة تركز على خطوط المسح Scanlines أو انحناء الشاشة فقط، بينما يحاول هذا المشروع إعادة إنتاج السلوك الفيزيائي والإلكتروني لأجهزة التلفزيون القديمة، بما في ذلك العيوب التي أصبحت جزءًا من ذكريات اللاعبين.
ولهذا السبب وجد المشروع صدى واسعًا لدى مجتمع ألعاب الريترو، خاصة بين هواة Nintendo Entertainment System (NES) وFamicom، الذين يسعون دائمًا إلى استعادة تجربة اللعب الأصلية بأكبر قدر ممكن من الدقة.
وتأتي هذه المحاولات في وقت يشهد فيه عالم الألعاب الكلاسيكية اهتمامًا متزايدًا بالحفاظ على التجربة الأصلية، سواء من خلال تطوير محاكيات أكثر دقة، أو عبر إنتاج شاشات ومؤثرات بصرية تحاكي خصائص أجهزة CRT القديمة بدل الاكتفاء بعرض الألعاب على شاشات حديثة ذات صورة رقمية حادة تختلف كثيرًا عن الشكل الذي صممها المطورون من أجله.
كما يبرز المشروع الإمكانات الكبيرة التي توفرها تقنيات Software Defined Radio في إعادة تحليل الإشارات التناظرية القديمة ومعالجتها بالكامل عبر البرمجيات، وهو مجال يشهد اهتمامًا متزايدًا بين المطورين والباحثين في حفظ تاريخ الألعاب الإلكترونية.
ومن اللافت أيضًا أن المشروع متاح كمصدر مفتوح تحت رخصة MIT، ما يسمح للمطورين بالمساهمة في تطويره أو دراسة آلية عمله وإضافة مزايا جديدة مستقبلًا.
ولم تتوقف الاقتراحات عند هذا الحد، إذ طالب أحد المستخدمين بإضافة وضع خاص يحاكي تأثير تقريب مغناطيس من شاشة CRT، وهي خدعة قديمة كانت تؤدي إلى تشوهات لونية معروفة في التلفزيونات التناظرية. وردًا على ذلك، ألمح GOROman بطريقة ساخرة إلى أن المفاجأة التالية قد تحمل بالفعل شيئًا من هذا القبيل.
ورغم أن المشروع لا يزال تجريبيًا، فإنه يقدم مثالًا مميزًا على الاتجاه المتنامي نحو محاكاة ليس فقط أجهزة الألعاب القديمة، بل البيئة التقنية الكاملة التي كانت تعمل فيها. ومع استمرار تطوره، قد يصبح واحدًا من أكثر مشاريع محاكاة شاشات CRT إثارة للاهتمام بالنسبة لعشاق الريترو والباحثين عن تجربة أقرب ما تكون إلى الواقع.
مهندس سابق في Sega يطور محاكي CRT واقعي على macOS يعيد محاكاة تلفزيونات Famicom القديمة، مع مؤثرات تناظرية دقيقة وحتى إمكانية إصلاح الصورة عبر الطرق على الشاشة.