في واحدة من أكثر اللحظات طرافة وصدقاً خلال جلسة أسئلة المستثمرين الأخيرة في شركة Nintendo، كشف Shigeru Miyamoto، الأب الروحي لعوالم Super Mario وThe Legend of Zelda، عن سبب غير متوقع وراء إطلاق ألعاب Pokémon في نسختين مختلفتين منذ بدايتها على أجهزة Game Boy في التسعينات. فبحسب ميياموتو، كان مبتكر Pokémon، Satoshi Tajiri، يسعى في بدايات المشروع إلى إيجاد طريقة يتفوّق بها على ظاهرة Super Mario التي كانت تسيطر على السوق الياباني حينها، سواء من حيث المبيعات أو الشعبية.
قال ميياموتو مبتسماً إن تاجيري أخبره مازحاً بأنه إن أراد تجاوز ماريو فعليه أن يبيع نسختين من نفس اللعبة لكل لاعب. هذه الجملة التي بدت في وقتها مجرد دعابة، تحولت لاحقاً إلى أحد أذكى القرارات التجارية في تاريخ Nintendo. فالاستراتيجية لم تكتفِ بتحفيز اللاعبين على اقتناء أكثر من نسخة، بل خلقت ثقافة تبادل وتفاعل بين المستخدمين، إذ كانت كل نسخة تتضمن بوكيمونات حصرية لا يمكن الحصول عليها إلا عبر التبادل مع نسخة أخرى. وبهذا، عززت Pokémon مفهوم اللعب الجماعي وروح التعاون بين الأصدقاء، وهو عنصر أصبح أساسياً في هوية السلسلة حتى اليوم.
تاريخ Pokémon مليء بالأفكار الجريئة التي ساهمت في بناء واحدة من أضخم العلامات التجارية في العالم. فمنذ إطلاق Pokémon Red وBlue عام 1996، لم تتوقف Game Freak وNintendo عن تبني نفس الفكرة الجوهرية: نسختان لكل إصدار، تختلفان في عدد محدود من المخلوقات، مع بعض التعديلات البسيطة في القصة أو الشخصيات الثانوية. هذا الأسلوب جعل اللاعبين يشعرون بأنهم جزء من تجربة أكبر من مجرد لعبة واحدة، وأن تفاعلهم مع الآخرين جزء من الرحلة. بمرور السنوات، أصبح إصدار نسختين تقليداً مقدساً في Pokémon، واستمر مع أجيال مثل Pokémon Gold وSilver وRuby وSapphire وSword وShield، وصولاً إلى أحدث الإصدارات.
لكن المثير أن هذه الفكرة لم تكن مجرد وسيلة تسويقية، بل كانت انعكاساً لفلسفة Nintendo في تحفيز التواصل الاجتماعي عبر اللعب. في زمن لم يكن فيه الإنترنت منتشراً كما هو الآن، جاءت Pokémon بفكرة التبادل عبر كابل Game Link الذي ربط أجهزة Game Boy، ليصبح رمزاً لتجربة اللعب الجماعي الواقعي. وبهذا، جمعت Nintendo بين العبقرية التسويقية والبُعد الإنساني في تجربة اللعب، وهي معادلة نادراً ما تتكرر في صناعة الألعاب.
أما عن Mario Kart، فقد عبّر Shigeru Miyamoto عن اعتقاده أن هذه السلسلة تحديداً من الصعب جداً تجاوزها من حيث المبيعات والاستمرارية. وأوضح أن ألعاب السباقات التي تحمل اسم Mario تحولت إلى ظاهرة متجذرة في ثقافة اللاعبين حول العالم، تماماً مثل Pokémon نفسها. وأضاف مبتسماً: “حتى لو ظهرت لعبة جديدة بمفهوم مبتكر، فـMario Kart سيظل دائماً يحقق مبيعات قوية، لأنه أصبح جزءاً من أسلوب حياة اللاعبين أكثر من كونه مجرد لعبة.”
ورغم المنافسة بين Mario وPokémon داخل بيت Nintendo نفسه، فإن العلاقة بين السلسلتين أقرب إلى التكامل منها إلى التحدي الحقيقي. فكل منهما يخدم شريحة مختلفة من اللاعبين ويعكس فلسفة Nintendo القائمة على البساطة والمرح والتجربة الجماعية. Pokémon تستثمر في روح الاكتشاف والمغامرة، بينما تقدم Mario جرعة نقية من الترفيه الفوري واللعب الجماعي. ولهذا، لا عجب أن كلا السلسلتين ساهمتا معاً في رسم ملامح هوية Nintendo الحديثة.
اليوم، بعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على انطلاقة Pokémon، تبدو استراتيجية الإصدارات المزدوجة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي لا تزال تثير نقاشات بين اللاعبين حول أي النسخ أفضل، وتدفع المجتمعات الإلكترونية لتبادل المخلوقات والتجارب. بل إن بعض المحللين يرون أن فكرة الإصدارات المزدوجة أصبحت جزءاً من الـDNA التجاري لـNintendo، إذ ساهمت في مضاعفة المبيعات وتعزيز الولاء للسلسلة بشكل لا مثيل له.
ومع التوجه نحو الجيل الجديد من أجهزة Nintendo، يبدو أن هذه الفلسفة ستستمر، ولكن بطريقة أكثر تكاملاً مع الخدمات السحابية والتواصل عبر الإنترنت. فبدلاً من مجرد التبادل عبر الكابلات كما في الماضي، يعيش اللاعبون اليوم تجربة عالمية عبر الإنترنت، تجمعهم في بطولات ومقابلات وتبادلات آنية، دون أن تفقد اللعبة جوهرها الأصلي الذي بدأ بفكرة بسيطة أطلقها Satoshi Tajiri قبل عقود.
ربما لم يتخيل أحد أن نكتة أطلقها مبتكر بوكيمون بهدف “التفوق على ماريو” ستتحول إلى حجر الأساس في نجاح سلسلة صنعت طفولة أجيال من اللاعبين. لكن كما هو معتاد مع Nintendo، فإن الأفكار التي تبدو بسيطة في البداية تتحول مع الزمن إلى إرث يغيّر صناعة الألعاب بأكملها. وفي النهاية، لا تزال روح المنافسة الودية بين رموز الشركة الكبار، مثل Miyamoto وTajiri، تذكيراً بأن الابتكار لا يولد من الرغبة في التفوق فحسب، بل من حب اللعب ذاته.