خلال الأسابيع الأخيرة لاحظ مستخدمو الحواسيب أن Google تعمل على مجموعة من التغييرات التجريبية داخل الإصدارات التطويرية من متصفح Chrome، وهي تغييرات تهدف في جوهرها إلى تحسين تجربة التصفح اليومية. هذه المحاولات ليست جديدة، لكن المختلف هذه المرة هو أن الميزة التي جرى اختبارها تبدو أقرب إلى طلب قديم تكررت المطالبة به على مدى سنوات كاملة. الحديث هنا عن إمكانية عرض الألسنة داخل شريط جانبي عمودي بدل شريط الألسنة التقليدي في الأعلى، وهي طريقة تنسيق يعرفها مستخدمو متصفحات أخرى مثل Edge و Vivaldi، لكنها تصل لأول مرة بشكل رسمي إلى Chrome Canary على أجهزة الكمبيوتر. الكثير من المستخدمين كانوا يعتمدون على إضافات خارجية للحصول على ميزة مشابهة، ومع أن هذه الإضافات كانت تقوم بالمطلوب، إلا أنها لم تحقق التكامل التام الذي يوفره تنفيذ رسمي مدمج داخل المتصفح نفسه. ولهذا أثارت الميزة اهتماما كبيرا منذ اللحظة الأولى التي تم الحديث عنها فيها، خصوصا أن Chrome ما زال المتصفح الأكثر استعمالا في العالم.
الميزة الجديدة تعمل ببساطة على نقل شريط الألسنة من أعلى نافذة المتصفح إلى جانبها الأيسر أو الأيمن، حسب تصميم Chrome Canary الحالي. ويمكن تفعيلها من خلال النقر بالزر الأيمن للفأرة على شريط القوائم في أعلى المتصفح واختيار عرض الألسنة الجانبية. بمجرد تفعيل الخيار، ينتقل كل ما يتعلق بإدارة الألسنة إلى عمود عمودي، مما يجعل التصفح أقرب إلى الطريقة التي يتعامل بها المستخدم مع ملفات أو مجلدات في واجهة نظام التشغيل. هذا التغيير يتيح رؤية عدد أكبر من الصفحات المفتوحة في وقت واحد دون ازدحام، خصوصا إذا كان المستخدم من الذين يفتحون عشرات الألسنة بشكل متزامن. وفي الحقيقة هناك شريحة واسعة من المستخدمين تقع ضمن هذه الفئة، ومنهم من يحتفظ بألسنة مفتوحة لأسابيع طويلة لأنها تحتوي على مقالات أو مراجع يحتاج العودة إليها مرارا. هنا يصبح تنسيق الألسنة عموديا أكثر منطقية، لأن شاشة الحاسوب غالبا ما تتوفر على مساحة عرض أفقية كبيرة غير مستغلة بالكامل، بينما تشعر واجهة الألسنة الأفقية بالضيق حتى عند فتح عشر صفحات فقط.
التصميم الجديد يضيف أيضا خانة بحث في أعلى الشريط، وهي أداة قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها مهمة جدا للمستخدمين الذين يعتمدون على عشرات الصفحات المفتوحة أثناء العمل أو الدراسة. يكفي كتابة كلمة واحدة حتى يعرض Chrome الألسنة التي تحتوي على الاسم أو العنوان الصحيح، مما يجعل الانتقال بينها أسرع بكثير من التمرير المستمر في الشريط التقليدي. أما في الجزء السفلي للعمود فهناك زر يتيح إضافة صفحة جديدة، إضافة إلى ظهور مجموعات الألسنة التي أنشأها المستخدم مسبقا. هذه المجموعات تعمل كأدوات لتنظيم جلسات التصفح الطويلة، سواء كان الهدف قراءة الأخبار أو متابعة مقاطع الفيديو أو مراجعة مواد تتعلق بالألعاب مثل تحديثات Fortnite أو إعلانات Nintendo. وجودها داخل الشريط الجانبي يسهل التعامل معها، لأن المستخدم يرى القائمة بشكل كامل دون الحاجة للمسح الأفقي. ويمكن القول إن هذا التغيير يعيد تنظيم أسلوب التصفح بطريقة أقرب إلى فلسفة المتصفحات الحديثة التي تحاول تبسيط كل شيء، بدلا من الاعتماد على واجهة ثابتة لم تتغير منذ سنوات.
ومن بين التفاصيل المهمة وجود قائمة سياق خاصة بالشريط الجانبي، يمكن الوصول إليها عبر النقر بالزر الأيمن للفأرة داخل العمود. القائمة تضم خيارات مثل إغلاق هذه الألسنة أو إغلاق الألسنة الأخرى، إضافة إلى خيار العودة إلى التنسيق الكلاسيكي للألسنة الأفقية إذا شعر المستخدم بأن التصميم الجديد لا يناسبه. ومن المفيد التذكير أن Chrome يسمح دائما بالعودة إلى الإعدادات السابقة، وهذا جزء من الأسلوب الذي تتعامل به Google مع الميزات التجريبية. الشركة تحاول إجراء تحسينات دون فرضها بشكل كامل، بل تطرحها تدريجيا في الإصدارات التطويرية قبل الانتقال إلى الإصدارات العامة. وفي حالة هذه الميزة تحديدا فإن كثيرا من المستخدمين يشعرون بأنها ستصبح جزءا أساسيا من المتصفح خلال الفترة المقبلة، خاصة أن ظهورها الأول في منتصف يوليو داخل تغييرات Chromium Gerrit كان مؤشرا واضحا على أن Google تعمل عليها منذ مدة، وأن الفكرة ليست مجرد اختبار صغير بل خاصية حقيقية يجري تهيئتها للإطلاق.
تاريخيا لم يكن Chrome يقدم طريقة أصلية لتنظيم الألسنة بشكل عمودي، رغم أن المتصفحات المنافسة مثل Microsoft Edge وفرت هذا الخيار منذ بداية ألفين وواحد وعشرين، بينما استخدمه Vivaldi منذ النسخ الأولى التي صدرت في منتصف العقد الماضي. وحتى Firefox و Brave و Arc وفروا تجارب مشابهة خلال الفترات الأخيرة، وهو ما وضع Chrome في موقف يحتاج فيه إلى توسيع خيارات تخصيص واجهته. فالمستخدم الذي اعتاد على فتح مشاريع كثيرة في وقت واحد أو يشتغل على أدوات تطوير أو يتنقل بين مواقع الأخبار وألعاب الفيديو يحتاج إلى رؤية واضحة لكل الصفحات المفتوحة، وهذا ما يجعل ميزة الألسنة الجانبية مطلبا أساسيا. ومن الطريف أن كثيرا من الأشخاص الذين يعملون في مجالات الإنتاج الرقمي مثل صناع المحتوى في Twitch أو محرري مواقع الأخبار مثل PixelArab يعلقون بأن الشكل العمودي يمنحهم إحساسا أكبر بالسيطرة على عدد الصفحات المفتوحة، لأنه يشبه إلى حد ما القوائم الجانبية في برامج الإنتاج أو لوحات التحكم في الأنظمة الاحترافية.
اللافت في هذه الميزة أنها ما تزال ضمن المرحلة التجريبية وموجودة فقط في إصدار Chrome Canary المخصص للمهتمين بتجربة الخصائص الجديدة قبل إطلاقها رسميا. النسخة ليست موجهة للمستخدم العادي بشكل كامل، ولهذا تبقى التعديلات التي تقوم بها Google عليها جزءا طبيعيا من عملية التطوير. بعض المستخدمين لاحظوا أن طريقة عرض الألسنة قد تتغير قليلا خلال الأسابيع المقبلة، خاصة أن التجارب الأولية كشفت عن تفاصيل صغيرة ما زالت تحتاج إلى تحسينات. وهناك انطباع عام بأن Google لن تطلق الميزة في النسخة النهائية إلا عندما تصبح مستقرة تماما. وهذا أمر منطقي، لأن المتصفح يشكل حجر الأساس في الاستخدام اليومي للحاسوب، ومن حق المستخدم الحصول على تجربة سلسة لا تتسبب في بطء أثناء العمل أو في فوضى عند إدارة الصفحات. وهنا يمكن القول إن الشركة تحاول من خلال هذه الميزة التقليل من اعتماد المستخدمين على الإضافات التي كانت تقدم نفس الوظيفة، إذ إن توفر خاصية رسمية مدمجة يضمن مزيدا من الاستقرار والتناسق داخل المتصفح.
وقد يتساءل بعض المستخدمين عن الفائدة الحقيقية من نقل الألسنة إلى عمود جانبي، خاصة أن البعض قد تعود على الواجهة التقليدية منذ سنوات طويلة. الإجابة تكمن في أسلوب التصفح نفسه. فعندما تتراكم الألسنة في الشريط العلوي تصبح عناوين الصفحات مختصرة لدرجة يصعب معها التمييز بينها، بينما في التصميم العمودي يظهر العنوان الكامل أو جزء كبير منه بوضوح. وهذا يمنح المستخدم فكرة أدق عن مكان كل صفحة وما تحتويه دون الحاجة إلى تمرير المؤشر فوقها كما يحصل عادة في النسخة الكلاسيكية. وبما أن الحواسيب الحديثة غالبا ما تأتي بشاشات واسعة، فإن وضع الألسنة عموديا لا يسبب أي خسارة فعلية في مساحة العرض، بل بالعكس يمنح الواجهة شعورا أكثر ترتيبا. يمكن النظر إلى الأمر على أنه إعادة توزيع للمساحة المتاحة، وهو ما يشبه قليلا التغييرات التي طرأت على برامج إدارة المشاريع مثل Notion أو Trello، حيث تحولت القوائم الجانبية إلى عنصر مركزي في التصميم لأنها ببساطة تسهل التنقل وتتيح نظرة عامة على المحتوى.
الجدير بالذكر أن بعض مستخدمي Chrome الذين جرّبوا هذه الخاصية لأول مرة عبروا عن إعجابهم بالقدرة على الانتقال بسرعة بين مجموعات الألسنة. هذه المجموعات أصبحت أداة أساسية في المتصفح خلال السنوات الأخيرة. كثير من العاملين في مجالات التقنية أو الألعاب مثلا يحتفظون بمجموعات جاهزة، إحداها مخصصة لمواقع أخبار الألعاب مثل IGN أو GameSpot، وأخرى مخصصة لمتابعة تحديثات PlayStation أو Xbox، وثالثة لمواقع التواصل أو الأدوات اليومية. في الواجهة العمودية تصبح هذه المجموعات أكثر وضوحا، وتبدو كأنها فصول كتاب يمكن فتحه بسهولة، وهي طريقة تقترب من أسلوب غالبية المستخدمين في تنظيم حياتهم الرقمية.
من جهة أخرى، يرى البعض أن Google تأخرت في إضافة هذه الميزة مقارنة بالمنافسين، خاصة أن Edge قدمها منذ مدة طويلة. لكن يمكن النظر إلى الأمر من زاوية مختلفة. Chrome يعتبر المتصفح الأكثر استعمالا عالميا، ولذلك فإن أي تغيير في الواجهة يجب أن يتم بعناية شديدة. إضافة جديدة قد تبدو بسيطة لكنها تؤثر في مئات الملايين من المستخدمين. لهذا لا تعتمد Google ميزات جديدة إلا بعد تجارب طويلة. ويمكن القول إن وصول ميزة الألسنة الجانبية إلى مرحلة الاختبارات عبر Chrome Canary يعد خطوة تمهيدية قبل إطلاقها الأكبر، وهو ما يعني أن الشركة تفكر بجدية في توسيع مساحة تخصيص الواجهة لدى المستخدمين.
ومهما كان توقيت الإطلاق النهائي، فإن الميزة تمثل تحولا واضحا في الطريقة التي يتعامل بها Chrome مع إدارة الصفحات المفتوحة، وهي خطوة تنتظرها فئة كبيرة من المستخدمين منذ سنوات. لذلك قد لا يكون الأمر مجرد تحديث عابر، بل بداية لسلسلة من التغييرات التي قد تشهدها واجهة المتصفح خلال الأشهر المقبلة. كثيرون يتوقعون أن تضيف Google مميزات أخرى تحسن من تعدد المهام أو تسهل التعامل مع الجلسات الطويلة. ومن غير المستبعد أن يصبح العمود الجانبي نقطة تجمع لأدوات إضافية مثل القراءة اللاحقة أو قوائم التثبيت أو حتى التطبيقات المصغرة التي توفر بيانات فورية دون فتح صفحات جديدة.
في النهاية تبدو ميزة الألسنة الجانبية خطوة جريئة من Google على الرغم من بساطتها. لقد جاءت في وقت يحتاج فيه المتصفح إلى تجديد ملموس في طريقته في عرض وتنسيق الصفحات. ورغم أنها ما تزال في مرحلة الاختبارات فإن أغلب المؤشرات توحي بأنها ستكون جزءا مهما من التجربة المستقبلية لمتصفح Chrome عندما تصل إلى النسخة العامة. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الميزة ستصبح الخيار الافتراضي للمستخدمين أم أنها ستظل مجرد خيار إضافي يستفيد منه من يحتاج إلى تنظيم أكبر أثناء التصفح. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن هذه الخاصية تقدم تجربة أكثر سهولة، خصوصا للذين يفتحون عددا كبيرا من الصفحات أثناء عملهم اليومي. ربما تختلف ردود الفعل حولها في البداية، ولكن مثل تلك التغييرات غالبا ما تصبح مألوفة بمرور الوقت. وكما يقول بعض المستخدمين الذين جربوا الميزة في نسختها الأولية إن وجود الألسنة الجانبية يجعل التصفح يبدو وكأنه أصبح أخف وأكثر سلاسة. وهذا الاقتباس يلخص إلى حد كبير الانطباع الأولي للكثيرين.