منذ ظهور سلسلة Saints Row للمرة الأولى، ظلت المقارنات بينها وبين Grand Theft Auto جزءا دائما من النقاشات داخل مجتمع اللاعبين. الموضوع لم يكن مجرد رأي عابر، بل تحوّل مع الوقت إلى سؤال يتكرر كثيرا في مجتمعات الألعاب، خصوصا مع التشابه الواضح في بنية اللعب والمهمات وطبيعة عالم الجريمة المفتوح. الجديد في الأمر اليوم هو أن مبتكر السلسلة، كريس ستوكمن، قرر أن يضع النقاط على الحروف ويكشف بشكل صريح أن اللعبة استوحت تصميمها منذ البداية من Grand Theft Auto، الأمر الذي جعل الكثيرين يعيدون التفكير في الطريقة التي تشكل بها هذا المشروع قبل أعوام. اعترافه لم يكن غامضا أو ملتويا، بل جاء بصيغة مباشرة حين قال في إحدى جلسات النقاش إن الفكرة من النسخة الأولى كانت أن يشعر اللاعب بأن التجربة قريبة من GTA حتى لو لم تكن نسخة منها. ووصف الأمر بعبارة لاقت انتشارا واسعا بين اللاعبين حين قال عبارة يمكن تلخيصها في جملة واحدة ظهرت في المقابلة وقال فيها إنه يشعر وكأنه يلعب Grand Theft Auto حتى لو لم تكن اللعبة هي نفسها. هذه الكلمات البسيطة أطلقت موجة جديدة من النقاشات حول تاريخ تطوير Saints Row وكيفية دخولها إلى السوق في فترة كان فيها حماس اللاعبين موجها بالكامل إلى ألعاب العالم المفتوح.
عند العودة قليلا إلى فترة إطلاق اللعبة، سنجد أن تصريحات ستوكمن تبدو متوافقة مع الظروف العامة لسوق الألعاب وقتها. لعبة Saints Row ظهرت في مرحلة انتقالية بين جيلين، وتحديدا مع إطلاق Xbox 360 الذي كان في تلك اللحظة منصة جديدة لم يتوفر عليها بعد عنوان كبير يشبه Grand Theft Auto. هنا تحديدا يظهر تأثير التوقيت في نجاح أي لعبة. فاللاعبون الذين اشتروا الجهاز في ذلك الوقت كانوا يتطلعون إلى لعبة تقدم لهم حرية الحركة والاستكشاف والقيادة والمواجهات بأسلوب مفتوح يشبه الألعاب الشهيرة على الجيل السابق. هذا الفراغ خلق فرصة ذهبية أمام Volition لتقديم تجربة جديدة تحاول ملء هذا الغياب. ومع أن اللعبة لم تكن تملك إنتاجية ضخمة أو علامة تجارية بحجم GTA، إلا أنها قدمت العناصر التي يتوقعها اللاعبون من ألعاب العالم المفتوح. هذه المعادلة وحدها كانت كافية لتجعل اللعبة تحظى باهتمام واسع دون الحاجة إلى حملات دعائية ضخمة، لأن السوق كان متعطشا بالفعل لعنوان من هذا النوع.
من التفاصيل التي ركز عليها ستوكمن أيضا خلال حديثه أن Saints Row لم تكن نسخة مطابقة من Grand Theft Auto. صحيح أن جوهر اللعبة مستوحى من الأسلوب العام لسلسلة Rockstar، لكن الفريق المطور حاول إضافة عناصر تمنح اللعبة هويتها الخاصة. من بين هذه العناصر نظام تخصيص الشخصيات الذي كان أوسع بكثير مما اعتاده اللاعبون في تلك الفترة، إضافة إلى دورة الليل والنهار التي ساهمت في جعل المدينة تبدو أكثر حيوية. قد تبدو هذه الجوانب بسيطة اليوم، لكن في تلك الفترة كانت إضافة مهمة تعطي طابعا خاصا للعبة. اللاعبون الذين أرادوا تجربة أقرب إلى الفوضى المرحة وجدوا في Saints Row شيئا مختلفا عن Grand Theft Auto المعروفة بطابعها الأكثر واقعية وجدية. البعض كان يرى اللعبة وقتها كنسخة أكثر خفة وتوجها نحو الكوميديا السوداء، بينما وجد فيها آخرون عنوانا يملأ لهم فراغا مؤقتا إلى حين إصدار Grand Theft Auto 4 التي لم تكن قد وصلت إلى السوق بعد.
واحدة من النقاط التي لم يتردد ستوكمن في ذكرها هي أن التوقيت كان في الحقيقة مفتاح نجاح اللعبة الأول. إصدار Saints Row قبل Grand Theft Auto 4 على Xbox 360 أعطاها مساحة تنفس حقيقية. لم يكن هناك عنوان منافس ضخم في نفس المجال على الجهاز، وهذا ما جعل اللعبة تبرز بسهولة. اللاعبون الذين اعتادوا تجربة ألعاب من هذا النوع على PlayStation 2 وجدوا أنفسهم أمام تجربة جديدة على جيل أحدث ومظهر بصري مختلف وميكانيكيات أكثر سلاسة. أضف إلى ذلك أن اللعبة صدرت قبل موسم العطلات الذي عادة ما يمتلئ بإصدارات قوية، ما منحها فترة زمنية مناسبة لتعزيز حضورها. ومع ذلك لم يكن الطريق مفروشا بالكامل، فقد صدرت اللعبة في فترة كان فيها الاهتمام منصبا على ألعاب مثل Oblivion و Gears of War، ورغم ذلك تمكنت Saints Row من تكوين قاعدة جماهيرية مهمة. هنا يتضح أن توقيت الإصدار لم يكن وحده العامل المؤثر، بل كانت هناك خلطة متكاملة جعلت اللعبة تقف على قدميها في سوق شديد التنافس حتى لو لم تكن تمتلك الشهرة أو الموارد الضخمة التي تتمتع بها Grand Theft Auto.
النقاش حول Saints Row اليوم ليس مجرد استرجاع لمرحلة سابقة من تطور الألعاب، بل هو فرصة للتأمل في الطريقة التي تشكلت بها صناعة الألعاب في بداية الألفية الثالثة. كانت الفترة التي ظهرت فيها اللعبة من أكثر المراحل تحولا، حيث بدأت ملامح سوق الألعاب الحديثة تتشكل. الشركات كانت تحاول استيعاب قدرات الأجهزة الجديدة، واللاعبون ينتقلون من جيل كامل إلى آخر، والجميع يبحث عن تجارب تستفيد من القوة التقنية الناشئة في ذلك الوقت. لعبة Saints Row لم تكن مجرد بديل مؤقت لـ Grand Theft Auto كما يعتقد البعض. بل كانت خطوة جريئة من فريق تطوير أراد أن يجرب حظا في مساحة يعرف تماما أن المنافسة فيها صعبة، لكنه قرر أن يدخلها بثقة وبفلسفة تعتمد على تقديم شيء مألوف وفي الوقت نفسه مختلف. ومع مرور السنوات، تطورت السلسلة واتخذت اتجاها أكثر جنونا في الأجزاء اللاحقة، حتى أصبحت مزيجا من الأكشن الساخر والمواقف التي لا تتقيد بقواعد المنطق. قد يختلف اللاعبون بشأن جودة السلسلة في مراحلها المتأخرة، لكن من المؤكد أن تأثيرها في سوق الألعاب لم يكن بسيطا.
الاعتراف الصريح من ستوكمن بأن اللعبة استوحت تصميمها من Grand Theft Auto لم يأت كإحراج للفريق أو كشكل من أشكال التباهي، بل بدا كنوع من المكاشفة الطبيعية التي تأتي بعد مرور سنوات طويلة. نظرة اللاعبين اليوم إلى Saints Row تحمل الكثير من الحنين، خصوصا لأولئك الذين عاشوا التجربة الأولى على Xbox 360 وشاهدوا كيف تطورت السلسلة مع الزمن. وربما ما يجعل هذا الاعتراف مهما هو أنه يكشف عن جانب مهم في صناعة الألعاب، وهو أن الإلهام بين المشاريع أمر طبيعي، وأن نجاح أي فكرة لا يعتمد فقط على الأصالة المطلقة، بل على توقيت جيد وتنفيذ مقنع وقدرة على فهم ما يريده الجمهور في لحظة معينة. وهذا بالضبط ما حدث مع Saints Row، التي دخلت السوق في الوقت المناسب، وقدمت لجمهورها ما كان يبحث عنه، ونجحت في أن تجد مكانا بين الكبار حتى لو كان ذلك من بوابة تقاطعها الواضح مع Grand Theft Auto.