يبدو أن حلم الكبير لم يعد كما تخيلته الشركة قبل سنوات. بعد فترة طويلة من التلميحات والتصريحات الطموحة، أكدت Sega رسميًا إلغاء مشروع “Super Game”، وهو الاسم الذي رافق استراتيجية الشركة الجديدة منذ 2021 كمحاولة لصناعة ألعاب ضخمة وعابرة للمنصات والخدمات بأسلوب ينافس عمالقة السوق مثل Fortnite وCall of Duty وGenshin Impact.
لكن المثير فعلًا أن هذا القرار لم يأتِ مع أخبار سيئة بالكامل. لأن نفس التقرير المالي أكد أن مشاريع إعادة إحياء سلاسل Crazy Taxi وJet Set Radio وGolden Axe وStreets of Rage ما تزال قيد التطوير، وهو ما أعاد الحماس فورًا بين عشاق سيجا القدامى وحتى اللاعبين الجدد الذين بدأوا يكتشفون قيمة مكتبة الشركة التاريخية.
المثير هنا أن مشروع Super Game لم يكن مجرد لعبة واحدة. الاسم كان يمثل رؤية كاملة داخل Sega. الشركة تحدثت سابقًا عن بناء تجارب ضخمة تعتمد على اللعب المستمر، المجتمعات، الخدمات الحية، والتوسع العالمي. بمعنى آخر، كانت سيجا تريد الدخول بقوة إلى ساحة الألعاب الضخمة طويلة العمر التي تدر مليارات الدولارات عبر المواسم والمحتوى المستمر.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الصورة تصبح ضبابية. السوق نفسه أصبح أكثر قسوة من أي وقت مضى. حتى شركات عملاقة و واجهت مشاكل حقيقية مع ألعاب الـLive Service خلال السنوات الأخيرة. كثير من المشاريع انهارت بسرعة، وبعضها أُغلق بعد أشهر فقط من الإطلاق رغم الميزانيات الضخمة.
وهنا ربما أدركت سيجا شيئًا مهمًا جدًا: جمهورها لا يريد منها تقليد الآخرين بقدر ما يريد عودة هويتها الأصلية.
وهذا بالضبط ما يجعل استمرار مشاريع Crazy Taxi وJet Set Radio وStreets of Rage خبرًا مهمًا للغاية. لأن هذه الألعاب ليست مجرد أسماء قديمة من عصر Dreamcast وMega Drive، بل تمثل روح سيجا نفسها. السرعة، الأسلوب المختلف، الموسيقى المجنونة، الجرأة في التصميم، والإحساس الآركيدي الذي اختفى تدريجيًا من السوق الحديث.
عودة Crazy Taxi مثلًا قد تكون واحدة من أكثر الرهانات إثارة لو نجحت سيجا في الحفاظ على جنون اللعبة الأصلي. الفكرة لم تكن يومًا مجرد قيادة سيارة أجرة، بل حالة فوضى ممتعة تدفع اللاعب لاتخاذ قرارات سريعة باستمرار وسط مدينة مليئة بالحركة. السرعة هنا ليست مجرد ميكانيك، بل جزء من هوية التجربة نفسها. كل ثانية تضغطك نفسيًا لتحسين المسار، كسب وقت إضافي، وتنفيذ قفزات خطيرة بشكل يكاد يبدو مستحيلًا.
أما Jet Set Radio، فالأمر أعمق من مجرد لعبة تزلج برسوم cel-shading. هذه السلسلة كانت دائمًا تحمل طابعًا ثقافيًا خاصًا جدًا. موسيقى إلكترونية جريئة، تمرد شبابي، فن الشارع، ورسالة واضحة عن الحرية والهوية. وحتى اليوم، لا تزال اللعبة تبدو مختلفة عن معظم ألعاب السوق رغم مرور أكثر من عقدين على إصدارها الأصلي.
الكثير من اللاعبين يرون أن السوق الحالي أصبح متشابهًا أكثر من اللازم. ألعاب ضخمة بميزانيات هائلة، لكن بأفكار متقاربة جدًا. لهذا السبب، أي عودة حقيقية لروح سيجا القديمة قد تكون منعشة بشكل كبير، خصوصًا إذا تمكنت الشركة من تقديم هذه السلاسل بدون قتل هويتها الأصلية تحت ضغط المونيتايزيشن والخدمات الحية.
الأمر لا يتعلق فقط بالنوستالجيا أيضًا. نجاح ألعاب مثل Hi-Fi Rush وStreets of Rage 4 وTeenage Mutant Ninja Turtles: Shredder’s Revenge أثبت أن هناك جمهورًا ضخمًا ما يزال يريد ألعابًا مركزة، ممتعة، وتملك شخصية واضحة بدل التجارب المليئة بالمهام اليومية والمتاجر والـBattle Pass.
حتى قرار إلغاء Super Game قد يُنظر إليه كخطوة ذكية بدل كونه فشلًا. أحيانًا أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه شركة ألعاب هو مطاردة الترند بدل فهم جمهورها الحقيقي. وسيجا مرت أصلًا بفترات صعبة تاريخيًا عندما حاولت الدخول في معارك ليست مناسبة لهويتها أو إمكانياتها.
الآن يبدو أن الشركة تعود تدريجيًا إلى نقطة أكثر واقعية. استثمار قوة أرشيفها التاريخي بدل محاولة صناعة “Fortnite جديدة”. وربما هذا ما يريده اللاعبون فعلًا من سيجا.
اللافت أيضًا أن التقرير المالي أشار إلى استمرار التركيز على إعادة إحياء IPs قديمة، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات أكبر مستقبلًا. كثير من اللاعبين بدأوا بالفعل يتساءلون: هل يمكن أن نرى عودة حقيقية لـ Virtua Fighter بشكل ضخم؟ ماذا عن Shinobi؟ أو حتى ألعاب Dreamcast المنسية التي ما تزال تملك قاعدة جماهيرية متعطشة؟
سيجا اليوم تمتلك شيئًا لا تملكه شركات كثيرة: مكتبة تاريخية مليئة بالأفكار المختلفة فعلًا. المشكلة دائمًا لم تكن في نقص العناوين، بل في كيفية استغلالها.
والسؤال الحقيقي الآن ليس فقط هل ستنجح هذه الإحياءات الجديدة… بل هل تستطيع سيجا أخيرًا تحقيق التوازن بين احترام هويتها القديمة ومجاراة السوق الحديث؟
إذا نجحت، فقد نشهد أفضل عودة للشركة منذ سنوات طويلة.