تقنيةمقالاتمقالات تقنية

تقنية “النمط الظاهري للحمض النووي” : صورة ثلاثية الأبعاد للمطلوبين للعدالة.. و من حمضهم النووي !

المهدي المقدمي

  خلال الشهر الحالي (أحد أيام الثلاثاء)، شاركت خدمة “شرطة إدمونتون” (EPS) “صورة” تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر لمشتبه به قاموا بإنشائها باستخدام النمط الظاهري للحمض النووي، والذي إستخدمته لأول مرة على أمل تحديد المشتبه به من قضية اعتداء جنسي عام 2019. باستخدام أدلة الحمض النووي من القضية، أخرجت شركة تدعى “بارابون نانولابز”  (Parabon NanoLabs) صورة لشاب أسود (مشتبه فيه).

  و وفقا لخبراء الخصوصية، فإن قرار “شرطة إدمونتون” بإنتاج هذه الصورة ومشاركتها ضار للغاية، مما يثير تساؤلات حول التحيزات العرقية في “التنميط الظاهري للحمض النووي” لتحقيقات الطب الشرعي و إنتهاكات الخصوصية لقواعد بيانات الحمض النووي التي يمكن للمحققين البحث من خلالها. ردا على تغريدة “شرطة إدمونتون”، أجاب العديد من خبراء الخصوصية والعدالة الجنائية بسخط على “عدم مسؤولية قسم الشرطة”.

  “إن نشر إحدى صور شركة “بارابون” للجمهور كما فعلت شرطة إدمونتون مؤخرا ، أمر خطير وغير مسؤول ، خاصة عندما تورط هذه الصورة شخصا أسود ومهاجرا”، كما ذكرت “جنيفر لينش” عن “مؤسسة الحدود الإلكترونية” ل”ماذوربورد” (Motherboard). “يتم بالفعل إستهداف الأشخاص من الأقليات العرقية بما لا يتناسب مع التحقيقات الجنائية، وهذا لن يؤدي فقط إلى تفاقم هذه المشكلة، بل يمكن أن يصل إلى الإقتصاص العام و يسبب ضررا حقيقيا للأفراد الذين تم التعرف عليهم بشكل خاطئ”.. إن نظام العدالة الجنائية والشرطة ‘مثقل’ بالتحيزات العنصرية، إذ من المرجح أن يتم إيقاف الشخص الأسود من قبل الشرطة دون سبب (بمعدل يبلغ 5 مرات أكثر من الشخص الأبيض) علاوة على الاعراق الاخرى و تفتيشهم مع الإشتباه في إرتكابهم جريمة حتى إن لم تقع.

  إن إلقاء نظرة على صورة ثلاثية الابعاد، بدون معرفة مسبقة بتقنية “النمط الظاهري للحمض النووي”، يمكن أن يحيل الناس للإعتقاد بأن صورة المشتبه به أمامهم تطابق تماما “ملف تعريف الحمض النووي” خاصته، حيث ذكرت “شرودر”: “لن يدرك العديد من أفراد المجمتمع، الذين يرون هذه الصورة التي تم إنشاؤها أنها ليست إلا صورة تقريبية رقمية للمتهم، و أن عوامل “العمر” و “الوزن” و “تصفيفة الشعر” و “شكل الوجه” قد تكون مختلفة تماما، و أن “دقة لون الجلد” / “الشعر” / “العين”، ليست إلا  تقريبية”.. و ردا على الإنتقادات التي طالتها بعد نشر الصورة و إستخدام النمط الظاهري للحمض النووي، شاركت إدارة “شرطة إدمونتون” بيانا صحفيا أعلنت فيه أنها “أزالت الصورة من موقعها الإلكتروني و كذلك وسائل التواصل الاجتماعي”.

  وفقا لشركة “بارابون”، فقد عملت على مئات التحقيقات القانونية، و يوجد على موقعها عدد من دراسات الحالة يظهر العديد منها “المقارنة بين ملف تعريف الحمض النووي و الصورة الفعلية للمشتبه به”، حيث هناك بعض أوجه التشابه بين الصورتين إذ تعكس كلاهما نفس “العرق” و “الجنس” و “لون العين و الشعر”، ومع ذلك و في الكثير من الأحيان، ينتهي التشابه بين الصورة التي تم إنشاؤها والمشتبه به عند هذا الحد، ما دفع الشركة لتبرير ذلك قائلة : “نحن نبني بحثنا على توقعات متصلة فقط بالحمض النووي.. لذلك لا نمتلك الكثير من المعلومات الدقيقة. ولذا، عندما نعمل على هذه التوقعات، فهذا وصف إستباقي مؤقت، يصبح ملغيا إذا شهدت الشرطة بعكسه”.. كما ذكرت الدكتورة “إلين غريتاك”، مديرة “المعلوماتية الحيوية و القيادة التقنية لقسم اللقطات” في “بارابون نانولابز” : “نحن نقدم الحقائق من قبيل  “الشاهد الوراثي” و نوفر هذه المعلومات التي لا يمكن للمحققين الحصول عليها بطريقة أخرى”. و تردف بالقول : “الأمر نفسه، كما لو أن الشرطة حصلت على وصف من شخص ما (شاهد)، لربما كما تعلمون، لا يعلم أدق التفاصيل عن وجهه، لكنه حاول وصف ما تذكره من ملامح المشتبه فيه.. أي ان عملنا، يكمن في تضييق نطاق معرفة الجاني، و إستبعاد الأشخاص الذين لا يطابقون هذا التوقع حقا. في هذه الحالات، يعتمدون دائما على مطابقة الحمض النووي، و بالتالي لا داعي للقلق بشأن السقوط في الخطأ، لأنهم دائما ما يستندون لمطابقة الحمض النووي”.

 و وفقا للشركة، فإن هذه التكنولوجيا تصنع الصورة ثلاثية الأبعاد عن طريق تشغيل الحمض النووي للمشتبه به من خلال نماذج “التعلم الآلي” المبنية على الآلاف م عينات الحمض النووي لأشخاص و مظاهرهم في المقابل. “البيانات التي لدينا عن الأشخاص ذوي السمات معروفة، هي من مجموعة متنوعة من المصادر بعضها متاح للجمهور، و يمكنك طلب الوصول إليها، و بعضها من الدراسات التي أجريناها لنجمع هذه المعلومات”.  تثير  “مجموعة بيانات الحمض النووي” المستخدمة لإنشاء هذه الصور المركبة، المزيد من “السخط” فيما يتعلق ب”مسائل الخصوصية” المتعلقة ب”تنميط الحمض النووي”، و ذلك لإستنادها على مجموعة متنوعة من المصادر من قبيل (GEDmatch) و (FamilyTree DNA) مواقع “أنساب مفتوحة المصدر و مجانية” تتيح لك الوصول إلى ملايين “ملفات تعريف الحمض النووي”..

  و مع ذلك، يجادل الباحثون بأن الحصول على نسخة “الأصل العائلي” أثناء تنميط الحمض النووي، قد يؤدي إلى “إعتبار بعض السكان بشكل عام أكثر إجراما من غيرهم. في حين أن الإستخدام التقليدي لتنميط الحمض النووي، كان يستهدف في المقام الأول المشتبه به (بشكل فردي)”. كتب الباحثون بقيادة عالم الأنثروبولوجيا “أماد مشارك” في دراسة بعنوان “المشكلة مع العرق في تحديد الهوية الجنائية”، إن “الإستدلالات حول النمط الظاهري أو العلاقات الأسرية لهذا المشتبه به المجهول ينتج عنه مجموعات سكانية وعائلات يشتبه فيها… كما يستطيع المحققون إستخدام عدد من قواعد البيانات المماثلة لتحميل الحمض النووي للمشتبه به ورسم خريطة لشجرة عائلة المشتبه به حتى يتمكنوا من تحديد الهوية الحقيقية للمشتبه به..”، من بين ابرز القضايا في هذا الصدد، كانت القضية “سيئة السمعة” التي أثبت فيها هذا التكتيك نجاحه، هي العثور على “قاتل غولدن ستيت”، وهو قاتل متسلسل يدعى “جوزيف جيمس دي أنجلو”، بعد تحميل الحمض النووي الخاص به إلى موقع (GEDmatch)، ليتمكن المحققون من العثور على أحد أفراد عائلته الذي كان بالفعل في ضمن بيانات النظام، ما مكن من تتبع القاتل و العثور عليه بعد عقود من إرتكابه الجريمة.

  تقوم العديد من إدارات الشرطة (الولايات المتحدة) بجمع الحمض النووي من مختلف طبقات المجتمع، كما فعلت شرطة مقاطعة “أورانج”، التي لديها قاعدة بيانات تضم أكثر من 182 ألف ملف تعريف للحمض النووي، وكلها تقريبا من أشخاص واجهوا إتهامات بجنح مختلفة (السرقة البسيطة أو القيادة برخصة معلقة). من جهتهم، رفع العديد من المحامين دعوى قضائية ضد المقاطعة، مدعين أن “قاعدة البيانات ضد قانون ولاية كاليفورنيا”، حيث تقول الدعوى القضائية إن “تسليم الحمض النووي هو “صفقة قسرية” لأن أولئك الذين يسلمون عينة من الحمض النووي سيحصلون على عقوبات أخف أو حتى حالة مرفوضة”، كما رفعت “جمعية المساعدة القانونية” دعوى قضائية مماثلة في مدينة “نيويورك”، تتهم المدينة ب”تشغيل قاعدة بيانات للحمض النووي تنتهك قانون الولاية و الحماية الدستورية ضد عمليات التفتيش غير الممنهجة”.

  من جهتها، تؤدي “قواعد بيانات الحمض النووي” هذه مرة أخرى، إلى إدامة “التحيزات العنصرية” المتفشية في نظام العدالة الجنائية  الأمريكي، لكون الأشخاص من اعراق مختلفة (كما يعرفون بالملونين) خاصة “السود” و “اللاتينيين”، يشكلون 75% من الأشخاص الذين اعتقلوا في العقد الماضي في مدينة نيويورك (لوحدها)، اي أن قاعدة بيانات الحمض النووي تدمج الإجرام في التركيبة السكانية المهمشة.. في حين أن العرق لا يقاس بالضرورة عن طريق النمط الظاهري للحمض النووي.

المهدي المقدمي

شاب مغربي، محب للتقنية بصفة عامة، وخاصة العاب الحاسوب و الهاتف النقال، كما اعمل كمترجم و صحفي في الشأنين الإقتصادي و العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى