شكّل خبر وفاة David Rosen، المؤسس المشارك لشركة Sega، صدمة حقيقية داخل أوساط صناعة ألعاب الفيديو والتقنية، ليس فقط لأن الرجل رحل عن عمر ناهز 95 عامًا، بل لأن اسمه ارتبط بجذور واحدة من أكثر الشركات تأثيرًا في تاريخ الألعاب. الخبر الذي بدأ يتداول بهدوء قبل أن ينتشر بسرعة حمل في طياته نبرة حزينة واضحة، خاصة مع العبارة التي رددها كثيرون حرفيًا مرة واحدة فقط: “We’ve learned some tragic news”. فقد أكّد المتحدث باسم Rosen أن وفاته كانت هادئة داخل منزله، محاطًا بأفراد عائلته، في لحظة إنسانية تختصر مسيرة طويلة بدأت من ما بعد الحرب العالمية الثانية وانتهت بترك إرث سيبقى حاضرًا في كل جهاز Arcade وكل لعبة تحمل توقيع Sega. بالنسبة للمتابع العادي، قد يبدو الاسم غير مألوف مقارنة بأيقونات مثل Sonic the Hedgehog أو سلاسل حديثة مثل Yakuza، لكن الحقيقة أن Rosen كان أحد الأعمدة التي بُني عليها كل ذلك، حجر الأساس الذي سمح للشركة بأن تتحول من فكرة صغيرة إلى لاعب عالمي في صناعة الترفيه التفاعلي.
تعود قصة Sega إلى بدايات متواضعة لكنها ذكية، حين كانت تُعرف باسم Service Games، وهو الاسم الذي اختُصر لاحقًا ليصبح Sega. في تلك المرحلة، لعب David Rosen دورًا محوريًا عبر شركته Rosen Enterprises، التي تخصصت في استيراد أجهزة Arcade التي تعمل بالقطع النقدية من الغرب إلى اليابان. هذا النشاط قد يبدو بسيطًا اليوم، لكنه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان أشبه بفتح نافذة ثقافية جديدة بالكامل. اليابان الخارجة من الحرب كانت تبحث عن أشكال ترفيه حديثة، وRosen فهم هذا الاحتياج مبكرًا. بالتوازي مع ذلك، كانت شركة Nihon Goraku Bussan التي تأسست سنة 1960 على يد Martin Bromley وRichard Stewart تشق طريقها في نفس المجال. ومع الاستحواذ على أصول Service Games ودمجها مع Rosen Enterprises، وُلد الاسم الذي سيصبح لاحقًا أسطورة: Sega Enterprises. هنا تحديدًا بدأت القصة تأخذ منحى مختلفًا، ليس مجرد استيراد أجهزة، بل التفكير في تطوير ألعاب أصلية وصناعة هوية خاصة.
بعد إعادة التشكيل تحت الاسم الجديد Sega، جاء الاختبار الحقيقي سنة 1966 مع إطلاق لعبة Arcade الشهيرة Periscope. هذه اللعبة لم تكن مجرد نجاح تجاري عابر، بل ظاهرة حقيقية غيّرت قواعد اللعب في صالات Arcade حول العالم. شعبيتها الكبيرة ساهمت في توحيد استخدام عملة الربع دولار كوسيلة دفع أساسية لكل جولة لعب، وهو معيار استمر لعقود لاحقة. تخيّل أن لعبة واحدة استطاعت أن تفرض نموذجًا اقتصاديًا كاملًا على صناعة بأكملها، هذا وحده يوضح حجم التأثير. في تلك الفترة، كان Rosen وشركاؤه من المؤسسين يلعبون دورًا رئيسيًا في تشكيل مشهد Arcade الياباني في مرحلة ما بعد الحرب، وهو مشهد لم يكن موجودًا أصلًا قبلهم. ومع انسحاب بعض الشركاء مثل Bromley من الإدارة اليومية، أصبح Rosen الوجه العلني للشركة، وتولى منصب CEO والمدير الإداري، وقاد Sega نحو مرحلة جديدة شملت إدراجها كشركة متداولة علنًا تحت مظلة Gulf and Western. هذه الخطوة لم تكن تقنية فقط، بل كانت إعلانًا صريحًا أن Sega لم تعد مجرد شركة أجهزة Arcade، بل كيانًا صناعيًا كبيرًا له طموحات عالمية.
ما يميز مسيرة David Rosen ليس فقط المناصب أو النجاحات المالية، بل قدرته على قراءة التحولات الثقافية والتقنية قبل حدوثها. في وقت كان فيه الترفيه يُنظر إليه كرفاهية، كان Rosen يتعامل مع الألعاب كصناعة مستقبلية قادرة على التأثير في الأجيال. هذا التفكير هو ما سمح لـ Sega لاحقًا بالانتقال من Arcade إلى أجهزة منزلية ثم إلى تطوير عناوين أيقونية ما زالت حاضرة حتى اليوم. ورغم أن كثيرًا من اللاعبين الجدد يربطون اسم Sega بإصدارات حديثة أو بشخصية Sonic، فإن جذور الشركة ظلت دائمًا مرتبطة بثقافة Arcade والقطع النقدية. هذه الثقافة استمرت الشركة في دعمها والسيطرة عليها حتى وقت متأخر جدًا، وصولًا إلى خروج Sega الرسمي من مجال صالات Arcade سنة 2022، في قرار كان مؤلمًا للبعض لكنه يعكس تغيّر الزمن. إرث Rosen في هذا السياق لا يمكن تجاهله، لأنه الرجل الذي وضع الأساس لهذا الطريق الطويل، من آلة تعمل بعملة معدنية إلى عناوين ضخمة تُباع بالملايين حول العالم.
أقيمت جنازة David Rosen في الثاني من يناير بمقبرة Inglewood Park Cemetery، في مراسم هادئة تعكس شخصيته البعيدة عن الأضواء رغم عظمة إنجازاته. تكريمه لم يقتصر على كلمات الرثاء، بل سبق أن خُلّد اسمه داخل قاعة المشاهير الخاصة بـ AAMA، American Amusement Machine Association، كما تم اختياره في وقت سابق كـ Man of the Year تقديرًا لإسهاماته في صناعة ألعاب Arcade. هذه الجوائز ليست مجرد أوسمة شرفية، بل اعتراف رسمي من الصناعة نفسها بأن Rosen كان واحدًا من أولئك الذين رسموا الطريق للجميع. اليوم، وبينما يواصل اللاعبون حول العالم الاستمتاع بعناوين Sega الحديثة، يبقى من المهم التوقف لحظة والتفكير في الرجل الذي ساهم في جعل كل ذلك ممكنًا. وفاته لا تعني نهاية قصة، بل تذكير بأن تاريخ ألعاب الفيديو كُتب بأيدي أشخاص حقيقيين، شغوفين، آمنوا بقوة اللعب قبل أن يصبح صناعة بمليارات الدولارات.