في تحرك يُعد من أبرز المبادرات الحكومية لدعم قطاع الألعاب الإلكترونية في المغرب، تم الإعلان رسميًا عن إطلاق برنامج تمويل جديد يمتد بين 2026 و2028، يستهدف دعم الشركات والمطورين المحليين في مختلف مراحل تطوير الألعاب. هذا البرنامج، الذي يأتي ضمن شراكة بين عدة مؤسسات حكومية واقتصادية، يضع “صناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب” في قلب استراتيجية رقمية طموحة تهدف إلى خلق بيئة إنتاج حقيقية وليس مجرد استهلاك.
ما يلفت الانتباه منذ اللحظة الأولى هو طبيعة الدعم المقدم، والذي لا يقتصر على مرحلة واحدة فقط، بل يغطي رحلة تطوير اللعبة بالكامل تقريبًا. بداية من النماذج الأولية، حيث يمكن للمطورين الحصول على تمويل يصل إلى 70% من تكلفة المشروع بسقف يصل إلى مليون درهم، وصولًا إلى مرحلة التصنيع التكنولوجي التجريبي بدعم يصل إلى 30% وبحد أقصى 3 ملايين درهم. هذه الأرقام ليست مجرد دعم تقليدي، بل تعكس إدراكًا حقيقيًا بأن تطوير لعبة ناجحة يشبه إلى حد كبير إنتاج مشروع تقني معقد، يحتاج إلى موارد واستمرارية.
عند النظر إلى السياق العالمي، نجد أن هذا النوع من المبادرات كان أحد الأسباب الرئيسية في صعود دول مثل كندا وبولندا في صناعة الألعاب. شركات مثل CD Projekt Red، التي طورت The Witcher وCyberpunk 2077، استفادت في بداياتها من برامج دعم مشابهة. نفس الأمر ينطبق على استوديوهات Ubisoft في كندا، التي نمت بفضل الحوافز الحكومية. الربط هنا ليس مبالغة، بل إشارة واضحة إلى أن المغرب يحاول الدخول إلى نفس المسار، ولكن بطابع محلي يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات السوق والإمكانيات.
المثير للاهتمام أيضًا هو الجهات المشاركة في هذا البرنامج، حيث يجمع بين وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الصناعة والتجارة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل، بالإضافة إلى وكالة تنمية المقاولات الصغرى والمتوسطة والاتحاد العام لمقاولات المغرب. هذا التنوع في الجهات يعكس أن المشروع ليس مجرد مبادرة قطاعية ضيقة، بل هو جزء من رؤية اقتصادية أوسع تهدف إلى خلق صناعة رقمية متكاملة. بمعنى آخر، نحن لا نتحدث فقط عن ألعاب، بل عن منظومة تشمل البرمجة، التصميم، الصوتيات، التسويق، وحتى التصدير.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا الإعلان كإشارة مباشرة إلى التغير في نظرة الحكومات العربية والإفريقية تجاه صناعة الألعاب. بعد سنوات من اعتبارها مجرد ترفيه، أصبحت اليوم تُصنف كقطاع اقتصادي واعد. يكفي أن نعرف أن سوق الألعاب العالمي يتجاوز 200 مليار دولار سنويًا، مع نمو مستمر مدفوع بألعاب مثل Fortnite وCall of Duty وGenshin Impact. دخول المغرب إلى هذا السوق، حتى بنسبة صغيرة، قد يفتح أبوابًا ضخمة للاستثمار والتوظيف.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل التمويل وحده كافٍ؟ الواقع يقول إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في المال، بل في بناء الكفاءات. تطوير لعبة تنافس عالميًا يتطلب فرقًا متعددة التخصصات، من مطوري محركات الألعاب مثل Unity وUnreal Engine، إلى كتاب السيناريو ومصممي التجارب. وهنا تظهر أهمية الربط بين هذا البرنامج ومؤسسات التعليم والتكوين، لأن الدعم المالي دون قاعدة بشرية قوية قد يؤدي إلى نتائج محدودة.
من جهة أخرى، هناك نقطة ذكية في تصميم هذا البرنامج، وهي التركيز على “النماذج الأولية”. هذه المرحلة غالبًا ما تكون الأكثر صعوبة للمطورين المستقلين، لأنها تحتاج إلى تمويل دون وجود منتج نهائي يمكن بيعه. دعم هذه المرحلة بنسبة 70% يمنح فرصة حقيقية للأفكار الجديدة لتخرج إلى النور، بدل أن تبقى مجرد مشاريع على الورق. وهذا تحديدًا ما ساهم في ظهور ألعاب Indie ناجحة عالميًا مثل Hades وCeleste، التي بدأت كأفكار صغيرة قبل أن تتحول إلى نجاحات ضخمة.
كما أن دعم مرحلة التصنيع التجريبي يعكس فهمًا مهمًا لدورة تطوير الألعاب. فالكثير من المشاريع تفشل بعد النموذج الأولي بسبب نقص التمويل اللازم لتحويل الفكرة إلى منتج قابل للتسويق. توفير دعم يصل إلى 3 ملايين درهم قد يكون الفارق بين مشروع يتوقف في منتصف الطريق، وآخر يصل إلى منصات مثل Steam أو PlayStation Store.
ومن الناحية التحليلية، يمكن القول إن هذا البرنامج يحمل في طياته رهانًا كبيرًا: هل يمكن للمغرب أن يتحول من مستهلك للألعاب إلى منتج لها؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه ليس مستحيلًا. السوق المحلي يمتلك قاعدة لاعبين متنامية، خاصة مع انتشار الإنترنت والأجهزة الذكية. كما أن هناك جيلًا جديدًا من المطورين المغاربة بدأ بالفعل في الظهور عبر مشاريع مستقلة، بعضها حصد اهتمامًا دوليًا.
إذا تم استغلال هذا البرنامج بشكل صحيح، فقد نشهد خلال السنوات القادمة ظهور أول “لعبة مغربية” تحقق نجاحًا عالميًا حقيقيًا، ليس فقط من حيث المبيعات، بل من حيث الهوية أيضًا. تخيل لعبة مستوحاة من الثقافة المغربية، تقدم للعالم بأسلوب حديث ينافس إنتاجات كبرى. الفكرة ليست بعيدة كما قد تبدو، بل أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
في النهاية، يمكن اعتبار هذا الإعلان نقطة بداية أكثر منه نتيجة. الطريق لا يزال طويلًا، والتحديات كثيرة، لكن وجود دعم حكومي واضح ومهيكل هو خطوة أساسية في الاتجاه الصحيح. الكرة الآن في ملعب المطورين والشركات، لاستغلال هذه الفرصة وتحويلها إلى مشاريع حقيقية تضع اسم المغرب على خريطة صناعة الألعاب العالمية.
![]()