في خطوة تعكس الطموح المتزايد للمغرب للتحول إلى مركز إقليمي لصناعة ألعاب الفيديو، وقّعت وزارة الشباب والثقافة والتواصل اتفاقية شراكة جديدة مع الاتحاد الأوروبي لدعم استراتيجية تطوير قطاع الألعاب الإلكترونية في أفق 2030، وذلك خلال فعاليات الدورة الثالثة من معرض “Morocco Gaming Expo 2026” المقام بالعاصمة الرباط.
الاتفاقية التي جمعت وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد وسفير الاتحاد الأوروبي لدى المغرب ديميتري تزانتشيف ليست مجرد دعم رمزي أو بروتوكولي، بل تبدو كخطوة عملية تهدف إلى بناء منظومة Gaming متكاملة داخل المغرب، قادرة على جذب الاستثمارات الدولية وخلق فرص عمل جديدة في واحد من أسرع القطاعات الرقمية نموًا في العالم.
اللافت في هذه الخطوة أن المغرب لم يعد يتعامل مع ألعاب الفيديو كقطاع ترفيهي فقط، بل كصناعة اقتصادية وثقافية وتكنولوجية يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للنمو خلال السنوات المقبلة، خاصة مع الارتفاع المستمر لعدد الشباب المهتمين بالألعاب الإلكترونية، تطوير الألعاب، الرياضات الإلكترونية، والوظائف المرتبطة بصناعة الـGame Development.
بحسب البلاغ المشترك، فإن الاستراتيجية الجديدة تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية تهدف إلى بناء قاعدة قوية لصناعة الألعاب الإلكترونية في المغرب. أول هذه المحاور يركز على التكوين والتأهيل، عبر إطلاق برامج جامعية وتكوينات مهنية متخصصة تتماشى مع المعايير الدولية المعتمدة داخل شركات Gaming العالمية.
هذا الجانب تحديدًا مهم للغاية، لأن واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه قطاع تطوير الألعاب في المنطقة العربية عمومًا هي نقص الكفاءات المتخصصة في مجالات مثل Game Design، البرمجة، تصميم الشخصيات، الذكاء الاصطناعي، التحريك، وUnreal Engine وUnity. لذلك فإن توفير مسارات تكوين احترافية قد يفتح الباب أمام جيل جديد من المطورين المغاربة القادرين على دخول السوق العالمية.
الاتفاقية تتضمن أيضًا دعمًا لدراسة السوق المغربية بشكل أعمق، من خلال إنجاز تحليلات وأبحاث تساعد على فهم التحديات الحقيقية التي تواجه الشركات المحلية العاملة في قطاع Gaming. هذه النقطة تبدو مهمة لأن السوق المغربية ما تزال في مرحلة البناء، وهناك حاجة فعلية لمعرفة المجالات الأكثر قابلية للنمو، سواء في تطوير الألعاب، خدمات Outsourcing، الرياضات الإلكترونية، أو حتى صناعة المحتوى المرتبط بالألعاب.
كما تهدف الشراكة إلى خلق روابط مباشرة بين منظومة الألعاب المغربية ونظيرتها الأوروبية عبر لقاءات B2B وبرامج تبادل خبرات بين المهنيين. عمليًا، هذا النوع من التعاون قد يمنح الاستوديوهات المغربية الصغيرة والمتوسطة فرصة الوصول إلى شركات أوروبية كبرى، سواء من أجل الشراكات أو التمويل أو حتى العمل على مشاريع مشتركة.
وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد أكد أن الهدف الأساسي من هذا التعاون يتمثل في تعزيز اندماج المغرب داخل المنظومة الاقتصادية الأوروبية، خصوصًا أن عدة دول أوروبية تُعتبر من القوى الكبرى في صناعة ألعاب الفيديو عالميًا.
تصريحات بنسعيد تحمل أبعادًا مهمة، لأن المغرب بدأ خلال السنوات الأخيرة يركز بشكل واضح على الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها قطاعات قادرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية. ومن الواضح أن قطاع Gaming أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية، خاصة مع النمو الضخم الذي تعرفه صناعة ألعاب الفيديو عالميًا، والتي تجاوزت عائداتها قطاعات السينما والموسيقى مجتمعة منذ سنوات.
الوزير أشار أيضًا إلى أن الاتفاقية ستمنح المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة إمكانية أفضل للاندماج داخل السوق الأوروبية، مع توفير آليات دعم تساعد رواد الأعمال المغاربة على تطوير مشاريعهم محليًا ودوليًا.
هذا النوع من الدعم قد يكون حاسمًا بالنسبة للاستوديوهات المستقلة المغربية التي تواجه غالبًا صعوبات تتعلق بالتمويل، التسويق، الوصول إلى الناشرين، أو حتى بناء العلاقات داخل الصناعة العالمية. ومع وجود دعم أوروبي مباشر، قد تبدأ بعض هذه الشركات في الحصول على فرص حقيقية للظهور خارج السوق المحلية.
من جهته، وصف سفير الاتحاد الأوروبي لدى المغرب ديميتري تزانتشيف صناعة الألعاب الإلكترونية بأنها واحدة من أسرع الصناعات نموًا في العالم، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي يرى في المغرب شريكًا واعدًا في هذا المجال.
تزانتشيف أوضح أن هذه المبادرة تنسجم مع “ميثاق المتوسط”، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين ضفتي المتوسط في مجالات الابتكار والتكنولوجيا وخلق فرص جديدة للشباب.
ما يجعل هذا المشروع مثيرًا للاهتمام فعلًا هو توقيته. العالم يعيش اليوم انفجارًا هائلًا في صناعة الألعاب، سواء على مستوى تطوير الألعاب التقليدية أو الألعاب المحمولة أو خدمات البث السحابي والرياضات الإلكترونية. وفي المقابل، بدأت عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تضخ استثمارات ضخمة في القطاع، مثل السعودية والإمارات ومصر.
المغرب يبدو اليوم وكأنه يريد حجز مكانه داخل هذا السباق قبل فوات الأوان.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت تظهر مؤشرات واضحة على اهتمام متزايد بقطاع Gaming داخل المغرب، سواء من خلال تنظيم أحداث مثل Morocco Gaming Expo، أو عبر دعم الرياضات الإلكترونية، أو حتى الاهتمام المتزايد بتكوين الشباب في مجالات البرمجة والتطوير الرقمي.
الرهان الحقيقي الآن لن يكون فقط في تنظيم المعارض أو توقيع الاتفاقيات، بل في القدرة على تحويل هذه المبادرات إلى مشاريع ملموسة تنتج ألعابًا واستوديوهات ووظائف حقيقية.
اللاعبون المغاربة بدورهم يتابعون هذه التحركات باهتمام كبير، خاصة أن المجتمع المحلي للألعاب الإلكترونية أصبح أكبر وأكثر نشاطًا من أي وقت مضى. المغرب يملك قاعدة شبابية ضخمة مرتبطة بالإنترنت، إضافة إلى انتشار واسع لألعاب مثل EA Sports FC وCall of Duty وLeague of Legends وPUBG وValorant وFortnite، وهو ما يجعل بناء سوق Gaming محلية قوية أمرًا منطقيًا من الناحية الاقتصادية.
هناك أيضًا نقطة مهمة لا يتحدث عنها كثيرون، وهي أن المغرب يملك مقومات قد تجعله جذابًا لشركات Outsourcing وتطوير الألعاب العالمية، مثل الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، الكفاءات الشابة، وتكاليف التشغيل الأقل مقارنة بعدة دول غربية.
إذا تم استغلال هذه العناصر بالشكل الصحيح، فقد نشهد خلال السنوات القادمة دخول شركات دولية كبرى للاستثمار في المغرب أو التعاون مع مطورين محليين، وهو سيناريو يمكن أن يغير مستقبل القطاع بالكامل.
الاتفاقية الجديدة تأتي استكمالًا لبرنامج دعم الصناعات الثقافية والإبداعية الذي أُطلق سنة 2023 بميزانية إجمالية تصل إلى 10 ملايين يورو، ما يعني أن الاتحاد الأوروبي لا ينظر إلى هذه المبادرة كمشروع قصير المدى، بل كجزء من استراتيجية أوسع لبناء اقتصاد إبداعي ورقمي أكثر تطورًا داخل المغرب.
ويبقى السؤال الأهم الآن: هل يستطيع المغرب التحول فعلًا إلى مركز إقليمي لصناعة ألعاب الفيديو في إفريقيا ومنطقة MENA؟
الإجابة لن تعتمد فقط على التمويل أو الاتفاقيات، بل على بناء منظومة حقيقية تشمل التكوين، الاستثمار، دعم الاستوديوهات المحلية، وربط المواهب المغربية بالسوق العالمية. لكن المؤكد أن قطاع Gaming في المغرب بدأ يدخل مرحلة مختلفة تمامًا مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة فقط.
![]()